– الذهب السوداني.. ثروة هائلة لا تزال خارج الدورة الاقتصادية
– الذهب يمكن أن يكون جزءاً من مشروع التعافي السوداني بعد الحرب
-الذهب السوداني ليس فقيراً في الإنتاج بقدر ما هو فقير في الإدارة والحوكمة والتوثيق.
حسن ابوعرفات الدوحة
يكشف التحقيق المنشور في مجلة «حواس» والذي أجراه الزميل طارق الشريف رئيس التحرير عن مفارقة خطيرة: السودان يمتلك واحدة من أهم الثروات المعدنية في المنطقة، ومع ذلك لا ينعكس الذهب بالحجم المتوقع على الصادرات، أو استقرار سعر الصرف، أو الإيرادات العامة، أو حياة المواطن.
المشكلة إذن ليست في وجود الذهب، وإنما في سلسلة القيمة كاملة: الإنتاج، والشراء، والتجميع، والتصفية، والتسعير، والتصدير، والتحويلات المالية.
والأخطر أن تعدد الأرقام حول الإنتاج الحقيقي، واتساع التعدين التقليدي، والتهريب عبر الحدود، ومشكلات الشركات، كلها تعني أن الدولة لا تملك حتى الآن صورة دقيقة وكاملة عن حجم الثروة التي تخرج من باطن الأرض.
ما الذي يجب أن يتغير؟
أولاً: إنشاء منظومة وطنية موحدة للذهب.
بدلاً من تعدد الجهات، نحتاج إلى غرفة عمليات دائمة تضم وزارة المعادن، وزارة المالية، بنك السودان، الجمارك، الشركة السودانية للموارد المعدنية والجهات الرقابية، بحيث تكون هناك قاعدة بيانات واحدة من منجم الذهب حتى آخر دولار يدخل الخزانة العامة.
ثانياً: جعل شراء الذهب أكثر جاذبية من تهريبه.
لا يمكن مكافحة التهريب بالرقابة الأمنية وحدها. إذا كان المنتج يحصل على سعر أفضل وأسرع خارج القنوات الرسمية، فسوف يستمر التهريب مهما تشددت الإجراءات. المطلوب سعر شراء رسمي قريب من السعر العالمي، وسداد سريع وشفاف، وتقليل الرسوم والجبايات المتعددة.
ثالثاً: تنظيم التعدين التقليدي بدلاً من محاربته.
المعدنون التقليديون يمثلون جزءاً مهماً من الإنتاج، ولذلك يجب الانتقال من التعامل معهم باعتبارهم مشكلة إلى إدخالهم في الاقتصاد الرسمي عبر جمعيات وشركات مساهمة وتراخيص مبسطة، مع توفير التمويل والمدخلات والتقنيات الآمنة.
رابعاً: الذهب يحتاج إلى بورصة وسوق منظم.
إنشاء سوق أو بورصة منظمة للذهب يمكن أن يوفر سعراً معلناً وشفافاً، ويقلل الفجوة بين المنتج والمشتري، ويحد من الأسواق الموازية، ويساعد الدولة على معرفة الكميات المتداولة فعلياً.
خامساً: وقف «الذهب الورقي».
التهريب عبر المنافذ الرسمية، إذا ثبت وجوده، أخطر من التهريب التقليدي؛ لأنه يجعل السلعة تخرج بوثائق تبدو قانونية. لذلك يجب أن تكون هناك مطابقة إلكترونية بين بيانات الإنتاج، وشراء الذهب، والتصفية، والتصدير، والتحويل البنكي، بحيث يصعب تمرير شحنة لا يتطابق مصدرها مع سجلات الإنتاج.
سادساً: إعادة النظر في المربعات التعدينية.
المربعات يجب أن تُطرح وفق معايير واضحة وشفافة، مع إعلان بياناتها وشروطها والتزامات المستثمرين. والأهم أن يحصل السودان على حصة عادلة من القيمة المضافة، وليس مجرد منح حق استخراج الخام.
سابعاً: الانتقال من تصدير الخام إلى التصنيع.
السودان لا ينبغي أن يكتفي بإخراج الذهب في صورته الأولية. هناك فرصة لبناء صناعة محلية للتصفية والمشغولات والمجوهرات والخدمات المرتبطة بالذهب، بما يخلق وظائف ويزيد القيمة المضافة والصادرات.
ثامناً: معالجة بيئة شركات التعدين.
ما ذكره التحقيق بشأن ارتفاع تكلفة الوقود والمدخلات، وتوقف بعض الشركات، والمخاطر الأمنية، والضرائب والجبايات، يحتاج إلى معالجة عاجلة. فالدولة لا يمكن أن تطالب بزيادة الإنتاج وفي الوقت نفسه تجعل تكلفة الإنتاج القانونية أعلى من قدرة الشركات على الاستمرار.
والأهم.. أين تذهب عائدات الذهب؟
هذه هي الحلقة التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن التهريب والإنتاج.
حتى إذا نجحت الدولة في زيادة الصادرات، فإن السؤال الأساسي سيظل: كم يدخل فعلياً إلى الاقتصاد السوداني؟ وأين تذهب حصيلة الذهب؟
المطلوب حساب واضح وشفاف:
كمية الإنتاج → الكمية المشتراة رسمياً → الكمية المصفاة → الكمية المصدرة → قيمة الصادرات → حصيلة النقد الأجنبي → نصيب الدولة → أين تم استخدامه.
إذا أصبحت هذه السلسلة قابلة للتدقيق والمراجعة، فسوف يتحول الذهب من مصدر للشكوك والاتهامات إلى حساب اقتصادي وطني قابل للقياس.
الذهب يمكن أن يكون جزءاً من مشروع التعافي
السودان بعد الحرب يحتاج إلى موارد حقيقية لإعادة بناء الطرق والكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإنتاج الزراعي والصناعي. والذهب يمكن أن يوفر جزءاً مهماً من هذه الموارد، لكن بشرط ألا يُنظر إليه باعتباره حلاً سحرياً.
الذهب وحده لا ينقذ الاقتصاد. الذي ينقذ الاقتصاد هو إدارة الذهب.
وهنا أرى أن الحلقة القادمة من ملف «حواس» يجب ألا تكتفي بتشخيص التهريب، بل تذهب إلى السؤال الأصعب:
إذا كان السودان ينتج مئات الأطنان وفق بعض التقديرات غير الرسمية، فلماذا لا تظهر هذه الثروة في احتياطيات النقد الأجنبي، ولا في الموازنة العامة، ولا في استقرار سعر الصرف؟
الإجابة عن هذا السؤال، بالأرقام والوثائق لا بالشعارات، يمكن أن تكون بداية حقيقية لإصلاح قطاع الذهب.
فالذهب ليس مجرد معدن نفيس تحت الأرض؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية مواردها، وتحويل الثروة الطبيعية إلى قوة إنتاج واستقرار وتنمية
الذهب بالارقامً
الذهب بالأرقام.. الفجوة التي تكشف حجم المشكلة
الأرقام الرسمية والمتاحة تكشف حجم المفارقة في قطاع الذهب السوداني. فبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، قُدّر إنتاج السودان من الذهب بنحو 41.8 طن في عام 2022، ثم تراجع إلى 34.5 طن في 2023، قبل أن يرتفع إلى نحو 61 طناً في 2024. وفي المقابل، أعلنت السلطات السودانية أن إنتاج عام 2024 بلغ نحو 64 طناً، بينما صدّرت البلاد رسمياً نحو 31 طناً.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح عند مقارنة بيانات الجهات الرسمية نفسها؛ إذ تشير بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية إلى صادرات بلغت 27.96 طن بقيمة 1.59 مليار دولار في 2024، بينما تسجل بيانات بنك السودان المركزي 22.92 طن بقيمة 1.57 مليار دولار. هذا التباين لا يمثل مجرد اختلاف حسابي، بل يكشف الحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة للذهب تبدأ من موقع الإنتاج وتنتهي بحصيلة الصادر.
وفي نوفمبر 2024، أعلنت وزارة المالية أن حصائل صادرات الذهب التي تم توريدها إلى بنك السودان بلغت 1.5 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام. وإذا قورنت هذه الحصيلة بحجم الذهب المنتج المعلن، فإن السؤال الاقتصادي الأكبر يصبح: أين تذهب الكميات التي لا تمر عبر القنوات الرسمية؟
وتؤكد بيانات بنك السودان أهمية النظر إلى القيمة وليس الكمية فقط. ففي النصف الأول من 2025 بلغت صادرات الذهب 8.835 طن بقيمة 839.9 مليون دولار، مقابل 11.625 طن بقيمة 733.4 مليون دولار في الفترة نفسها من 2024. أي أن كمية الذهب المصدرة انخفضت بنحو 24% تقريباً، بينما ارتفعت قيمة الصادرات بنحو 15%، وهو انعكاس مباشر لارتفاع أسعار الذهب العالمية.
هذه الأرقام تقود إلى نتيجة مهمة: مشكلة الذهب السوداني ليست فقط في حجم الإنتاج، وإنما في نسبة ما يدخل من هذا الإنتاج إلى النظام الاقتصادي الرسمي. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست زيادة استخراج الذهب وحدها، بل زيادة نسبة الذهب الذي يُشترى رسمياً، ويُصفّى محلياً، ويُصدّر عبر القنوات الرسمية، وتدخل حصيلته المصرفية إلى الاقتصاد السوداني.
وهنا تبرز ضرورة إنشاء نظام تتبع وطني للذهب يربط بين الإنتاج والشراء والتصفية والتصدير والتحويلات المصرفية، بحيث يمكن للدولة أن تعرف بدقة: كم أنتج السودان؟ كم اشترته القنوات الرسمية؟ كم صُفّي؟ كم صُدّر؟ وكم دخل فعلياً إلى بنك السودان؟
فالفرق بين 61–64 طناً من الإنتاج المعلن وبين نحو 23–31 طناً من الصادرات الرسمية في 2024 يستحق دراسة دقيقة، لا سيما مع تأكيد المصادر البحثية أن بيانات الإنتاج السوداني تعاني من قصور في التقاط كامل الإنتاج، خصوصاً الإنتاج التقليدي.
الخلاصة: الذهب السوداني ليس فقيراً في الإنتاج بقدر ما هو فقير في الإدارة والحوكمة والتوثيق. وإذا نجحت الدولة في إغلاق الفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي، فقد يتحول الذهب من مورد تتسرب عائداته إلى الخارج إلى أحد أهم روافع تمويل التعافي وإعادة الإعمار

