عندما يرفع الفيدرالي الفائدة… لماذا يدفع السودان جزءًا من الفاتورة؟
بقلم: د. محمود أحمد إبراهيم آدم
قد يبدو قرار رفع أو خفض سعر الفائدة في الولايات المتحدة شأنًا أمريكيًا داخليًا، يتعلق بالبنوك والمقترضين الأمريكيين فقط. لكن الحقيقة أن هذا القرار يصل أثره إلى مختلف دول العالم، من أسواق المال في أوروبا وآسيا إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود في الدول النامية، ومنها السودان.
ويرجع ذلك إلى حقيقة بسيطة: الدولار ليس مجرد عملة أمريكية، بل هو العملة الأكثر استخدامًا في التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية. ولذلك، فعندما يغيّر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة، فإن العالم كله يعيد حساباته.
ما المقصود بسعر الفائدة الأمريكية؟
المقصود عادة هو سعر الأموال الفيدرالية، أي سعر الفائدة الذي تقرض به البنوك الأمريكية بعضها بعضًا لليلة واحدة. لكن هذا السعر القصير الأجل يمثل نقطة البداية لسلسلة طويلة من التأثيرات تمتد إلى فوائد القروض والودائع والسندات وأسعار العملات والذهب والاستثمار.
ويوضح الاحتياطي الفيدرالي أن تغيير سعر الفائدة يقود إلى سلسلة من الآثار تشمل أسعار الفائدة الأخرى، وأسعار الصرف، وحجم الائتمان، ثم الإنتاج والتوظيف والأسعار. وهذا يعني أن القرار لا يبقى داخل القطاع المصرفي، بل ينتقل إلى الاقتصاد الحقيقي وحياة الناس اليومية.
لماذا يرفع الفيدرالي سعر الفائدة؟
يلجأ الفيدرالي إلى رفع الفائدة عادة عندما يرتفع التضخم ويصبح نمو الأسعار أسرع من المستوى المستهدف.
رفع الفائدة يشبه الضغط على مكابح السيارة. فعندما ترتفع تكلفة الاقتراض، يقل إقبال الأفراد على شراء المنازل والسيارات بالتمويل، وتتردد الشركات في الاقتراض لإنشاء المصانع أو توسيع الأعمال. وفي الوقت نفسه، تصبح الودائع والسندات أكثر جاذبية، فيفضّل بعض الناس الادخار بدلًا من الإنفاق.
ونتيجة لذلك ينخفض الطلب تدريجيًا، فتتباطأ حركة الاقتصاد، ويخف الضغط على الأسعار.
فعلى سبيل المثال، إذا اقترضت شركة 10 ملايين دولار بفائدة 4%، فإن تكلفة الفائدة السنوية تبلغ 400 ألف دولار. وإذا ارتفعت الفائدة إلى 7%، تقفز التكلفة إلى 700 ألف دولار، أي بزيادة قدرها 300 ألف دولار سنويًا. وقد تدفع هذه الزيادة الشركة إلى تأجيل مشروع جديد، أو تقليص التوظيف، أو رفع أسعار منتجاتها.
وقد استخدم الفيدرالي هذه السياسة بوضوح خلال موجة التضخم العالمي التي أعقبت جائحة كورونا؛ إذ رفع أسعار الفائدة بسرعة لكبح ارتفاع الأسعار، رغم أن ذلك أدى إلى زيادة تكلفة التمويل والضغط على أسواق الأسهم والعقارات.
ومتى يخفض الفائدة؟
يخفض الفيدرالي سعر الفائدة عندما يتباطأ الاقتصاد، أو ترتفع البطالة، أو تظهر مخاطر ركود مالي واقتصادي.
خفض الفائدة يشبه رفع القدم عن المكابح والضغط على دواسة الوقود. فالقروض تصبح أرخص، ويزداد استعداد الأسر للاستهلاك، وتتشجع الشركات على الاستثمار والتوسع والتوظيف.
بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، خفّض الفيدرالي الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، كما فعل ذلك مجددًا خلال جائحة كورونا في عام 2020، بهدف حماية الاقتصاد من الانكماش وتشجيع تدفق الائتمان.
لكن خفض الفائدة ليس بلا ثمن. فإذا ظل التمويل رخيصًا مدة طويلة، فقد يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات والأسهم، وزيادة الديون، وعودة التضخم.
وهكذا يتحرك الفيدرالي بين هدفين: مكافحة التضخم من جهة، ودعم النمو والتوظيف من جهة أخرى. وهو توازن بالغ الحساسية؛ لأن التشدد الزائد قد يقود إلى الركود، بينما التيسير الزائد قد يشعل التضخم.
كيف ينتقل القرار إلى بقية العالم؟
عندما ترتفع الفائدة الأمريكية، ترتفع عوائد الودائع والسندات المقومة بالدولار، فيصبح الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين. وقد تسحب المؤسسات الدولية جزءًا من أموالها من الدول النامية والأسواق عالية المخاطر وتعيدها إلى الولايات المتحدة.
يؤدي ذلك غالبًا إلى:
– ارتفاع قيمة الدولار أمام عملات الدول الأخرى.
– زيادة تكلفة الديون المقومة بالدولار.
– ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي.
– خروج بعض رؤوس الأموال من الدول النامية.
– تراجع أسعار بعض الأصول والأسهم.
– زيادة تكلفة استيراد الغذاء والوقود والدواء.
أما عند خفض الفائدة الأمريكية، فقد يضعف الدولار نسبيًا، ويتجه المستثمرون إلى البحث عن عوائد أعلى في الأسواق الناشئة والذهب والسلع والأسهم. كما تنخفض تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون الدولية، وإن كان حجم الاستفادة يختلف من دولة إلى أخرى.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
لا ينتقل أثر الفائدة الأمريكية إلى السودان بالطريقة نفسها التي ينتقل بها إلى اقتصاد متقدم أو سوق مالية كبيرة. فالسوق المصرفية السودانية محدودة الارتباط بالأسواق العالمية، كما أن ظروف الحرب وضعف الإنتاج وتعطل المؤسسات تمثل عوامل أقوى من قرار الفائدة الأمريكية ذاته.
لكن هذا لا يعني أن السودان بعيد عن التأثير. بل يصل الأثر بصورة غير مباشرة عبر عدة قنوات مهمة.
أولًا: سعر الدولار والجنيه السوداني
عندما ترتفع الفائدة الأمريكية، تزداد قوة الدولار عالميًا في كثير من الأحيان. وبالنسبة للسودان، الذي يعاني أصلًا من نقص النقد الأجنبي وتراجع الإنتاج والصادرات، فإن قوة الدولار ترفع تكلفة الحصول عليه في السوق.
فإذا كان مستورد يحتاج إلى 100 ألف دولار لاستيراد أدوية، فإن ارتفاع سعر الدولار من 2,000 إلى 2,500 جنيه – كمثال افتراضي – يرفع التكلفة من 200 مليون إلى 250 مليون جنيه، قبل إضافة تكاليف الشحن والتأمين والجمارك.
هذه الزيادة تنتقل في النهاية إلى سعر الدواء الذي يدفعه المواطن.
ثانيًا: ارتفاع تكلفة الواردات
يعتمد السودان على الاستيراد في سلع أساسية، تشمل الأدوية والوقود والقمح ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار والآلات.
عندما يقوى الدولار، ترتفع تكلفة هذه الواردات بالجنيه السوداني، حتى لو لم يتغير سعر السلعة في بلد المنشأ. وإذا اجتمع ارتفاع الدولار مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين بسبب الحرب، تصبح الضغوط التضخمية مضاعفة.
وهنا تظهر المفارقة: يرفع الفيدرالي الفائدة لمحاربة التضخم في الولايات المتحدة، لكن النتيجة في دولة ضعيفة العملة مثل السودان قد تكون مزيدًا من التضخم المستورد.
ثالثًا: الديون والتمويل الخارجي
ارتفاع الفائدة العالمية يجعل الاقتراض الخارجي أكثر تكلفة، سواء للحكومات أو الشركات. كما ترتفع تكلفة إعادة تمويل الديون، ويصبح المستثمرون أكثر حذرًا في تمويل الدول عالية المخاطر.
وبالنسبة للسودان، فإن التأثير لا يقتصر على سعر الفائدة، بل يتداخل مع التصنيف الائتماني، والمخاطر السياسية، والحرب، والعقوبات، وضعف القدرة على السداد. ولهذا قد يكون التمويل غير متاح أصلًا، أو متاحًا بتكلفة مرتفعة للغاية.
وإذا اقترضت شركة سودانية مليون دولار بفائدة 6%، فإن فائدتها السنوية تبلغ 60 ألف دولار. وإذا ارتفعت التكلفة إلى 10%، تصبح الفائدة 100 ألف دولار. والمشكلة الأكبر أن قيمة هذه الفائدة بالجنيه ترتفع أيضًا عند انخفاض سعر العملة المحلية.
وهكذا تتحمل الشركة ضربتين: ارتفاع الفائدة بالدولار، وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه.
رابعًا: الذهب
يمثل الذهب قناة مهمة للسودان باعتباره منتجًا ومصدرًا للمعدن الأصفر.
في الظروف العادية، تؤدي الفائدة الأمريكية المرتفعة إلى زيادة جاذبية السندات والودائع، بينما لا يدر الذهب فائدة، ولذلك قد يتعرض سعره للضغط. أما خفض الفائدة أو ضعف الدولار فيدعم أسعار الذهب غالبًا.
لكن العلاقة ليست آلية؛ فقد يرتفع الذهب رغم ارتفاع الفائدة إذا زادت الحروب أو المخاطر الجيوسياسية أو مخاوف التضخم.
ارتفاع سعر الذهب عالميًا يمكن أن يفيد السودان عبر زيادة عائدات الصادرات، بشرط أن يدخل الإنتاج والتصدير عبر القنوات الرسمية. أما إذا توسع التهريب، فإن الدولة تخسر النقد الأجنبي بينما يستفيد أفراد وشبكات محدودة فقط.
خامسًا: تحويلات السودانيين بالخارج
قوة الدولار قد تزيد القيمة الاسمية للتحويلات عند تحويلها إلى الجنيه السوداني. فالمائة دولار تمنح الأسرة عددًا أكبر من الجنيهات.
لكن هذه ليست مكسبًا كاملًا؛ لأن ارتفاع الدولار يرفع أسعار السلع المستوردة ويقلل القوة الشرائية للجنيه. وقد تحصل الأسرة على جنيهات أكثر، لكنها تدفع أسعارًا أعلى مقابل الغذاء والدواء والوقود.
لذلك يجب قياس قيمة التحويلات بما تستطيع شراءه، لا بعدد الجنيهات فقط.
السودان لا يستطيع مواجهة الأزمة بالفائدة وحدها
في الاقتصادات المستقرة، يستطيع البنك المركزي رفع الفائدة لتقليل الاقتراض والطلب وكبح التضخم. أما في السودان، فإن جزءًا كبيرًا من التضخم لا ينتج عن قوة الطلب، بل عن نقص السلع، وتعطل الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع قيمة العملة، وتمويل العجز، وانتشار السوق الموازية.
لذلك فإن رفع سعر الفائدة محليًا، من دون معالجة هذه المشكلات، قد يزيد تكلفة التمويل على المنتجين من دون أن ينجح في خفض الأسعار.
وتوضح بيانات البنك الدولي حجم التحدي؛ فقد انكمش الاقتصاد السوداني بصورة حادة خلال عامي 2023 و2024 نتيجة الحرب وتدمير الطاقة الإنتاجية وتعطل الزراعة والخدمات والتجارة، بينما ظل التضخم مرتفعًا. وهذا يعني أن أي أثر للفائدة الأمريكية يصل إلى اقتصاد يعاني أصلًا من اختلالات استثنائية. البنك الدولي – السودان
ما الذي ينبغي على السودان فعله؟
لا يستطيع السودان التأثير في قرار الفيدرالي، لكنه يستطيع تقليل حساسية اقتصاده تجاهه من خلال:
– زيادة إنتاج الغذاء والدواء والسلع الأساسية محليًا.
– توجيه النقد الأجنبي إلى السلع ومدخلات الإنتاج ذات الأولوية.
– إدخال صادرات الذهب في القنوات الرسمية.
– تحسين شفافية موارد الدولة وحصائل الصادرات.
– جذب تحويلات المغتربين عبر نظام مصرفي موثوق وسعر صرف واقعي.
– الحد من تمويل العجز بطباعة النقود.
– إعادة بناء الاحتياطيات من النقد الأجنبي.
– إدارة الديون الخارجية والتفاوض على الإعفاء وإعادة الجدولة.
– تشجيع الصادرات الزراعية والحيوانية والصناعات المرتبطة بها.
– توحيد السياسات النقدية والمالية وسوق الصرف.
الخلاصة
قرار الفائدة الأمريكية يشبه حجرًا يُلقى في بحيرة كبيرة؛ تبدأ الدوائر من واشنطن، ثم تمتد إلى الدولار والذهب والديون والتجارة الدولية، قبل أن تصل إلى أسعار الدواء والوقود والخبز في دول بعيدة مثل السودان.
عندما يرفع الفيدرالي الفائدة، فهو يحاول خفض التضخم داخل الولايات المتحدة، لكن الدول الضعيفة قد تواجه دولارًا أقوى، وتمويلًا أغلى، وواردات أعلى تكلفة. وعندما يخفضها، تتحسن ظروف التمويل العالمي نسبيًا، لكن الدول التي تعاني الحرب وضعف المؤسسات والإنتاج لن تستفيد تلقائيًا.
المشكلة، إذن، ليست أن الفيدرالي يحدد مصير الاقتصاد السوداني، بل أن هشاشة الاقتصاد تجعل أي موجة خارجية أكثر قوة عند وصولها إليه. والحماية الحقيقية لا تأتي من انتظار خفض الفائدة الأمريكية، بل من بناء اقتصاد ينتج ويصدر، ويدير موارده بشفافية، ويقل اعتماده على الدولار والاستيراد والتمويل الخارجي.

