الاقتصاد السوداني في ظل الحرب : بين الانهيار وآفاق التعافي
د. محمد عوض محمود
mohammed.osman@ipag.fr
إن الحرب التي اندلعت في السودان ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى أزمة وطنية عميقة هزّت جميع ركائز الدولة، وكان الاقتصاد هو الأكثر تضرراً من تداعياتها المدمرة. فقد كان الاقتصاد السوداني يعاني بالفعل من سنوات طويلة من الاختلالات الهيكلية، بما في ذلك استمرار معدلات التضخم المرتفعة، وتدهور قيمة العملة الوطنية، وضعف القدرات الإنتاجية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر. إلا أن الحرب دفعت هذا الاقتصاد إلى اختبار غير مسبوق، حيث فاقمت هذه الاختلالات التاريخية وأدخلته في مرحلة أكثر هشاشة، أصبح فيها الحفاظ حتى على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي تحدياً يومياً للدولة والمواطنين على حد سواء.
ومن أبرز التداعيات المباشرة للحرب التوقف الواسع للأنشطة الإنتاجية في العديد من الولايات، ولا سيما في المراكز التجارية والاقتصادية الرئيسية في السودان. فقد توقفت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية عن العمل، بينما تعرضت المصانع والمخازن والأسواق لأضرار جسيمة. كما تعرضت سلاسل الإمداد المحلية والدولية لاضطرابات حادة، مما أدى إلى نقص كبير في السلع الأساسية وارتفاع غير مسبوق في أسعار المستهلكين.
وامتدت آثار الحرب إلى ما هو أبعد من القطاع الخاص، لتفرض ضغوطاً هائلة على المالية العامة للدولة. فقد تراجعت الإيرادات الضريبية والجمركية بصورة حادة نتيجة لانكماش النشاط الاقتصادي، في حين ارتفع الإنفاق الحكومي بشكل كبير لتغطية الاحتياجات الأمنية وجهود الإغاثة الإنسانية والمساعدات الطارئة. وقد أدى هذا الاختلال إلى اتساع العجز المالي، وزيادة الضغوط على السياسة النقدية، وتصاعد معدلات التضخم، واستمرار تآكل القوة الشرائية للمواطنين.
وكان القطاع المصرفي من أكثر القطاعات تضرراً من الحرب، إذ تعرض عدد كبير من المؤسسات المالية لأضرار مباشرة أو اضطر إلى تعليق نشاطه في المناطق المتأثرة بالنزاع، مما أدى إلى تقييد شديد في الوصول إلى الخدمات المصرفية، وعمليات السحب النقدي، والتحويلات المالية، وأنظمة المدفوعات. وقد أسهمت هذه الاضطرابات في تقويض ثقة الجمهور بالنظام المالي. ورغم الجهود المبذولة لتوسيع نطاق الخدمات المصرفية الرقمية، فإن استمرار العمليات العسكرية حدّ بصورة كبيرة من قدرة القطاع المالي على أداء دوره الأساسي في دعم النشاط الاقتصادي.
كما واجه القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد السوداني، تحديات جسيمة. فقد أدى نزوح المزارعين، ونقص المدخلات الزراعية، وضعف الوصول إلى التمويل، وتعطل شبكات النقل والتسويق، إلى إضعاف الإنتاج الزراعي. وعلى الرغم من استمرار النشاط الزراعي بدرجات متفاوتة في بعض المناطق، فإن حجم الإنتاج الكلي شهد تراجعاً ملحوظاً، الأمر الذي انعكس سلباً على الأمن الغذائي والصادرات الزراعية.
أما قطاع التعدين، ولا سيما إنتاج الذهب، فقد أظهر قدرة أكبر على الصمود مقارنة بالعديد من القطاعات الأخرى. ومع ذلك، فقد أوجدت الحرب تحديات خطيرة تتعلق بالحوكمة، والرقابة التنظيمية، والتهريب غير المشروع للموارد المعدنية، مما حال دون استفادة الاقتصاد الوطني بصورة كاملة من أحد أهم أصوله الاستراتيجية.
كما تسببت الحرب في نزوح ملايين السودانيين، سواء داخل البلاد أو إلى خارجها، وهو ما أدى إلى فقدان الاقتصاد لجزء كبير من قوته العاملة، وانخفاض الإنتاجية، واتساع دائرة الفقر، وزيادة الضغوط على الخدمات العامة في المجتمعات المستضيفة للنازحين. وأصبحت التحويلات المالية من السودانيين المقيمين في الخارج تمثل شريان حياة أساسياً لعدد لا يحصى من الأسر، إلا أنها لا تزال غير كافية لتعويض حجم الخسائر الاقتصادية التي تكبدها الاقتصاد السوداني.
ورغم جسامة الأزمة الراهنة، فإن الاقتصاد السوداني لا يزال يمتلك مقومات كبيرة للتعافي، شريطة تهيئة بيئة مستقرة. فالسودان يتمتع بمساحات زراعية شاسعة، وموارد مائية وفيرة، وثروات معدنية كبيرة، إلى جانب موقع جغرافي استراتيجي يربط بين العالم العربي والقارة الأفريقية. ويضاف إلى ذلك رأس المال البشري السوداني، الذي لا يزال يمتلك القدرة على قيادة جهود إعادة الإعمار الوطني متى ما توفرت الظروف الملائمة.
غير أن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية، بل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تقوم على استعادة الأمن وسيادة القانون، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، وتحسين مناخ الاستثمار، ومكافحة الفساد، وإعادة توجيه الموارد الوطنية نحو القطاعات الإنتاجية بدلاً من الأنشطة الريعية.
كما ينبغي أن تعطي مرحلة ما بعد النزاع أولوية لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإحياء القطاع الزراعي بوصفه أسرع محرك لخلق فرص العمل وتحقيق النمو الاقتصادي، والاستثمار المستدام في التعليم والتدريب المهني. فهذه الإجراءات تُعد ضرورية لإعادة دمج الشباب في الحياة الاقتصادية المنتجة، والحد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأجل التي خلفتها الحرب.
وتؤكد تجارب العديد من الدول التي خرجت من صراعات داخلية أن التعافي الاقتصادي ليس هدفاً بعيد المنال، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات قوية وقادرة على الصمود، وتوافقاً وطنياً، وإدارة اقتصادية رشيدة. فالحروب قد تدمر البنية التحتية وتعطل الأسواق، لكنها لا تستطيع أن تقضي على الإمكانات الكامنة للأمم إذا أُحسن استثمار مواردها، وأُعيد بناء مؤسساتها بكفاءة وفاعلية.
ولا يزال هناك ما يدعو إلى التفاؤل بأن السودان، بعد طي هذه الصفحة المؤلمة، قادر على التحول من اقتصاد أنهكته الحرب والأزمات إلى اقتصاد منتج، أكثر قدرة على الصمود، وأكثر استدامة. وسيستند هذا التحول إلى ما يمتلكه السودان من موارد طبيعية غنية، ورأس مال بشري مؤهل، وموقع جغرافي استراتيجي. ومن ثم، فإن السلام ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل هو الركيزة الأساسية التي لا غنى عنها لاستعادة الاستثمارات، وتنشيط الإنتاج، وإعادة بناء الثقة في مستقبل الاقتصاد السوداني، وإقامة دولة قادرة على تحقيق الازدهار، وتوفير الفرص، وصون الكرامة لجميع مواطنيها

