استبدال العملة في السودان.. من تغيير الأوراق إلى إصلاح النظام النقدي(1-3)
بقلم: د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي
دخل السودان مرحلة جديدة من عملية تغيير واستبدال العملة، وهي مرحلة تتجاوز في أهميتها مجرد سحب أوراق نقدية وإصدار فئات جديدة، لتطرح سؤالاً أكبر حول مستقبل النظام النقدي والمصرفي في البلاد، وكيف يمكن تحويل هذه العملية إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النقد الورقي وتسريع التحول نحو المدفوعات الإلكترونية.
فاستبدال العملة، في ظل الظروف الاقتصادية والمصرفية التي يعيشها السودان بعد الحرب، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إجراءً نقدياً منفصلاً، وإنما كجزء من عملية إصلاح شاملة تستهدف استعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتوسيع قاعدة الحسابات المصرفية، وتحسين حركة الأموال بين المصارف، وتوفير بدائل إلكترونية حقيقية للنقد.
وقد اتجه بنك السودان المركزي خلال الفترة الماضية إلى سحب عدد من الفئات النقدية الصغيرة من التداول وإيداع قيمتها في الحسابات المصرفية، في خطوة تعكس توجهاً نحو تقليل الاعتماد على النقد وتشجيع التعامل عبر النظام المصرفي. كما جاءت عملية استبدال فئتي الألف والخمسمائة جنيه في إطار إعادة تنظيم النقد المتداول وتعزيز الإيداع المصرفي.
لكن نجاح هذه العملية لا يقاس بعدد الأوراق التي تم سحبها أو طباعتها، وإنما بقدرة الاقتصاد على توفير بديل فعال للمواطن. فكلما تقلصت كمية النقد المتداول، يجب أن تتوسع في المقابل القدرة على استخدام الحسابات المصرفية والتطبيقات والتحويلات الإلكترونية ونقاط البيع والمحافظ الرقمية.
وهنا تبرز أهمية ما حدث في مجال التحويلات المصرفية الإلكترونية. فقد تجاوز عدد معاملات التحويل عبر الرقم المصرفي الأساسي BBAN خلال عام 2025 والنصف الأول من 2026 أكثر من 234 مليون معاملة، مقارنة بنحو 92.8 مليون معاملة خلال عام 2025 وحده، وارتفع العدد إلى أكثر من 141.4 مليون معاملة خلال النصف الأول من 2026، بزيادة تتجاوز 52% مقارنة بالعام السابق وفق البيانات المتاحة.
هذه الأرقام تؤكد أن التحول الإلكتروني لم يعد خياراً مستقبلياً، وإنما أصبح جزءاً من الواقع المصرفي السوداني، وأن المواطن بدأ بالفعل في استخدام التحويلات الإلكترونية كبديل للنقد. لكن التحدي الحقيقي هو توسيع هذه التجربة لتشمل جميع المواطنين والقطاعات والولايات.
فلا يمكن أن تتجه الدولة إلى تقليل السحب النقدي دون أن تضمن في الوقت نفسه استقرار التطبيقات المصرفية، وسهولة التحويل من مصرف إلى آخر، وانتشار نقاط البيع، وتوفير الدفع عبر QR وUSSD، وإتاحة المحافظ الإلكترونية، وضمان استمرار الخدمة حتى في ظروف انقطاع الإنترنت أو الكهرباء.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم “التطبيق المصرفي” إلى “منظومة دفع رقمية متكاملة”. المطلوب أن يستطيع المواطن من حسابه المصرفي أن يحول الأموال إلى أي مصرف آخر، ويدفع للتاجر، ويسدد فاتورة الكهرباء أو المياه، ويدفع الضرائب والرسوم الحكومية، ويسدد التزاماته المالية، ويحصل على إثبات إلكتروني للسداد، دون الحاجة إلى استخدام النقد.
كما أن عملية استبدال العملة تمثل فرصة لتوسيع قاعدة الحسابات المصرفية، خصوصاً مع إمكانية فتح الحسابات عن بُعد والتحقق من هوية العميل إلكترونياً. فالحرب أظهرت بوضوح أن الاعتماد على الفروع وحدها لم يعد كافياً، خصوصاً بعد تعرض عدد كبير من الفروع المصرفية للتدمير أو خروجها من الخدمة.
ولهذا يجب أن يصبح فتح الحساب المصرفي إلكترونياً جزءاً أساسياً من استراتيجية ما بعد استبدال العملة. المواطن الموجود في منطقة لا يوجد بها فرع مصرفي يجب أن يستطيع فتح حساب باستخدام الهوية الرقمية، والتحقق من بياناته، والحصول على رقم حساب مصرفي، وتفعيل التطبيق، ثم استخدام حسابه في التحويل والدفع والادخار.
وفي هذا السياق، يمكن أن تلعب منظومة الهوية الرقمية دوراً محورياً في الانتقال من مجرد إثبات شخصية العميل إلى بناء هوية مالية رقمية مرتبطة بالخدمات المصرفية، بما يسهل عمليات اعرف عميلك KYC، ويحد من الحسابات الوهمية، ويساعد على توسيع الشمول المالي.
يتبع……..

