القضية ليست في الأشخاص وحدهم.. بل في المنهج
الأستاذ أبو عرفات، صباح الخير والبركات.
قرأت مقالكم المنشور بمجلة (حواس) حول الجهاز التنفيذي للبلاد باهتمام، ووجدت فيه جرأة الطرح ووضوح الرؤية والذهاب مباشرة إلى جوهر الأزمة، بعيداً عن الشخصنة وتبادل الاتهامات.
وأحسب أن أهم ما ينبغي أن نخرج به من هذا النقاش هو أن أزمة إدارة الدولة لا تُختزل في الأشخاص وحدهم، وإنما تبدأ من المنهج الذي تُدار به الدولة، ومن الطريقة التي نضع بها أهدافها ونختار من يتولى تنفيذها ونحاسبه على النتائج.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بوضوح هو:
هل لدينا رؤية وطنية متفق عليها؟ وهل تحولت هذه الرؤية إلى خطة استراتيجية محددة الأهداف، مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة وأطر زمنية معلومة؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فالسؤال التالي يصبح أكثر أهمية:
هل اختير الجهاز التنفيذي على أساس قدرته وكفاءته في تنفيذ هذه الخطة؟ وهل شارك في إعدادها؟ وهل مُنح رئيس الجهاز التنفيذي الصلاحية الكاملة لاختيار فريقه؟
ثم نصل إلى السؤال الأكثر جوهرية:
هل مُنح الجهاز التنفيذي الصلاحيات والموارد والأدوات التي تمكنه من تحقيق ما طُلب منه؟
لأن من غير المنطقي أن نحمّل جهازاً تنفيذياً مسؤولية النتائج، بينما لا نمنحه الصلاحيات الكافية لاتخاذ القرار، ولا الموارد اللازمة للتنفيذ، ولا المساحة الزمنية المناسبة لتحقيق الأهداف.
وفي المقابل، فإن امتلاك الصلاحيات لا يعني غياب المساءلة. المسؤولية تقابلها المحاسبة، والصلاحية تقابلها النتائج، والخطة تقابلها مؤشرات قياس، والزمن وحده لا يكفي إذا لم يكن مرتبطاً بأهداف قابلة للقياس.
ولهذا فإنني أرى أن الحوار الوطني المطلوب اليوم يجب ألا يتحول إلى محاكمة لأشخاص، ولا إلى دفاع عن أشخاص، وإنما إلى مراجعة صريحة لمنهج إدارة الدولة نفسه.
من وضع الخطة؟
ومن اعتمدها؟
ومن اختار الجهاز التنفيذي؟
وما هي صلاحياته؟
وما هي مؤشرات نجاحه؟
ومتى تتم محاسبته؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتوافر له الأدوات اللازمة للنجاح؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، وإنما هي جوهر الإدارة الرشيدة للدولة.
الوطن أكبر من الأشخاص، والدولة لا تُدار بردود الأفعال، وإنما بالرؤية والتخطيط والكفاءة والتمكين والمساءلة.
وم هنا، فإن إعادة النظر في طريقة اختيار الجهاز التنفيذي ينبغي أن تبدأ قبل اختيار الأسماء، وذلك بتحديد ما الذي نريد من الحكومة أن تنجزه، وكيف سنقيس إنجازها، وما الصلاحيات التي ستُمنح لها، ومتى تتم محاسبتها على ما أنجزت وما لم تنجز.
أشكركم أخي أبو عرفات على فتح هذا الباب، فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من تبادل الاتهامات بقدر حاجته إلى حوار مسؤول حول كيفية بناء جهاز دولة قادر على التخطيط والتنفيذ وتحمل المسؤولية وتحقيق النتائج.
إسماعيل الشافعي استشاري صناعي سابق بمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية”جويك”
الوكيل السابق لوزارة الصناعه مقيم بالدوحة

