مشروع من كل ملحقية اقتصادية.. سفارات السودان جسور للإعمار
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
في كل مدينة سودانية أنهكتها الحرب، سؤال ينتظر جوابا عمليا: من أين نبدأ الإعمار؟ نبدأ من مدرسة يمكن أن تفتح أبوابها، ومستشفى يستعيد خدماته، ومزرعة يعود إليها الإنتاج، ومصنع تدور آلاته من جديد. هذه المشاريع تحتاج إلى جهد في الداخل، وإلى دبلوماسية اقتصادية قادرة على فتح الأبواب في الخارج.
من هنا أدعو ملحقيات السودان الاقتصادية، بكل تقدير لما تتحمله من مسؤوليات، إلى مبادرة وطنية واضحة: أن تتبنى كل ملحقية مشروعا واحدا قابلا للتنفيذ، وتتابعه حتى تبدأ ثماره في الظهور على أرض السودان. وإذا نجحت بعثاتنا في تحقيق ذلك، فلن تكون أمامنا وعود متناثرة، بل محفظة من المشاريع الوطنية تسند التعافي وتفتح فرص العمل.
لا أقصد أن تختار كل ملحقية مشروعا بمعزل عن احتياجات البلاد. البداية الصحيحة عند الجهات المختصة في السودان؛ فهي التي تحدد الأولويات وتعد الملفات الفنية والمالية، وتوضح الجهة المالكة للمشروع وطريقة التعاقد ومخاطره. عندئذ تنطلق الملحقية إلى السوق الذي تعرفه، فتبحث عن شريك مؤهل، أو تمويل مناسب، أو تقنية يحتاجها المشروع، وتتابع الفرصة حتى لا تضيع بين المراسلات.
والتنسيق بين الملحقيات جزء أساسي من نجاح المبادرة. قد تجد بعثة جهة تمويل، وتعرف أخرى شركة قادرة على التنفيذ، وتملك ثالثة صلة بسوق يستوعب إنتاج المشروع. إذا تبادلت بعثاتنا المعلومات وعملت وفق سجل مشترك للفرص، أمكن جمع هذه الإمكانات في مشروع واحد. ويجب أن تكون لكل فرصة بعثة تقود متابعتها، وجهات تسندها، وجهة مختصة في الداخل تملك قرارها؛ حتى يعرف الجميع ما عليه فعله.
ثم تأتي المساءلة التي تحمي العمل الجاد. لا يقاس نجاح الملحقية بعدد اللقاءات أو مذكرات التفاهم، بل بما تقدم فعلا: دراسة اكتملت، وشريك ثبتت جديته، وتمويل تأكد، وعقبة حلت، ومشروع بدأ تنفيذه. وإذا تعثر المشروع، فمن الإنصاف أن نعرف أين وقع التعثر؛ فقد يكون الحل في يد وزارة داخل السودان، لا في يد البعثة خارجه.
السيد وزير الخارجية، يمكن تحويل هذه الفكرة إلى برنامج عمل: تكليف واضح لكل ملحقية، وقائمة وطنية بالمشاريع الجاهزة، وآلية تنسيق بين البعثات والوزارات، وتقرير دوري يبين ما تحقق وما يحتاج إلى قرار. بذلك يجد الملحق الاقتصادي ما يسوقه، وتجد الوزارة ما تتابعه، ويجد المواطن ما يلمسه في حياته.
إعمار السودان مهمة أكبر من أي سفارة وأي ملحقية، لكنه يحتاج إلى جهودهم جميعا. فلنبدأ بمشروع وطني واحد من كل ملحقية اقتصادية، ولنصل بين ما يملكه العالم من فرص وما ينتظره السودان من حياة وعمل.

