*فول الغلابة في مرمى قرارا مكتب وزير الزراعة المكيف*
*بقلم: طارق شريف ساتي*
*رئيس تحرير مجلة حواس*
ليست المرة الأولى التي تدار فيها ملفات قوت الناس من داخل المكاتب المكيفة بعيداً عن أرقام السوق وموائد البسطاء، لكن قرار وزير الزراعة الأخير بحظر استيراد الفول تجاوز كل حدود المنطق الاقتصادي والمسؤولية الوطنية.
لوزارة الزراعة أداة قديمة تسمى “الرزنامة”، وضع لبنتها الوزير الأسبق مجذوب الخليفة رحمه الله في عام 2005، كآلية لتنظيم دخول المحاصيل حماية للمنتج المحلي. وهي فكرة مقبولة نظرياً، إذا كان لديك منتج محلي يستحق الحماية ويغطي حاجة السوق. أما أن تستخدم ذات الأداة لحظر سلعة استراتيجية لا ننتج منها سوى أقل من 17% من احتياجنا الحقيقي، فهذا ليس حماية، بل خنق للسوق وتجويع مقنن.
لنضع الحقائق على الطاولة:
منذ 2005 وحتى اليوم، ما هو أعلى سقف إنتاجي بلغه الفول السوداني؟ الأرقام الرسمية نفسها تقول إن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تتجاوز 80%، والفول ليس من الكماليات، إنه الوجبة الأولى والأخيرة لملايين السودانيين. هو أمن غذائي بامتياز.
ثانياً، وزارة الزراعة جهة فنية، دورها ينتهي عند رفع التوصية الفنية لرئاسة مجلس الوزراء، والقرار السيادي والتنفيذي هو من اختصاص مجلس الوزراء ووزارة التجارة والجمارك. فبأي مسوغ تتجاوز الزراعة اختصاصها وتعلن حظراً تجارياً؟
ثالثاً، والأكثر إثارة للدهشة، أن الفول محظور أصلاً ضمن قرارات مجلس الوزراء الأخيرة بحظر عدد من السلع. فما معنى أن تعيد وزارة الزراعة حظر المحظور؟ هل هو استعراض سلطة أم ارتباك مؤسسي؟
النتيجة المباشرة لهذا القرار الارتجالي دفعها المواطن وحده. قفز سعر “كمشة الفول” في مطاعم الخرطوم إلى خمسة آلاف جنيه، في وقت يئن فيه الناس تحت وطأة الحرب والنزوح والتضخم.
إن حماية المنتج المحلي لا تكون بمنع الاستيراد وإغلاق الباب في وجه السوق، بل تكون بدعم المزارع، وتوفير التمويل والتقاوي المحسنة ومياه الري، ورفع الإنتاجية من 17% إلى 70%. أما أن نحمي الفشل الإنتاجي بتجويع المستهلك، فتلك سياسة لا تصنع وطناً ولا تحمي مزارعاً.
على السيد وزير الزراعة البروفسير عصمت قرشي أن يراجع قراره فوراً. قوت الناس ليس مجالاً للتجريب، والفول ليس بنداً في الرزنامة، إنه حياة.
