من حلم الاتحاد إلى واقعية المصالح.. ماذا تعلّمت رباعية العلمين من فشل السبعينيات؟
الدوحة – حسن أبو عرفات
أحياناً لا تحتاج إلى أكثر من قصاصة ورقية قديمة لتكتشف أن بعض أسئلة التاريخ لم تجد إجاباتها النهائية بعد.
القصاصة التي بين يدي تعود إلى عام 1971، وتحمل خبراً من صحيفة الأهرام المصرية، في مرحلة كانت فيها المنطقة تعيش ذروة مشاريع الوحدة والاتحاد والتكامل بين عدد من الدول العربية. وهي اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تبدو وكأنها تطرح سؤالاً شديد الراهنية: هل تعلّمت المنطقة من تجارب الاتحادات التي تعثرت، وانتقلت من أحلام الوحدة السياسية إلى واقعية المصالح المشتركة؟
الخبر يتصل بمشروع الاتحاد بين مصر والسودان وليبيا، في إطار ميثاق طرابلس الموقع في ديسمبر 1969، والذي استهدف إقامة إطار للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وتبعته محاولات لتعزيز التكامل الاقتصادي ومشروعات مشتركة في الزراعة والثروة الحيوانية وغيرها.
لكن مسار الأحداث أثبت أن الطموحات السياسية الكبيرة لم تكن كافية وحدها لضمان استمرارية المشروع. وفي أبريل 1971 أُعلن اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وليبيا وسوريا، بينما لم ينضم السودان إلى الصيغة الجديدة، قبل أن تتجه القاهرة والخرطوم لاحقاً إلى صيغة أكثر واقعية للتعاون عُرفت بـ «منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي» عام 1974.
وهنا تبدأ المقارنة مع الحاضر.
من الاتحاد إلى التنسيق
بعد أكثر من خمسين عاماً، جاءت قمة العلمين الرباعية في 4 أكتوبر 2026، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، في سياق إقليمي مختلف تماماً.
القمة لم تطرح مشروع اتحاد سياسي أو اندماج مؤسساتي على غرار مشاريع السبعينيات، وإنما اتجهت إلى التشاور والتنسيق والتعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
وهذا التحول في حد ذاته يحمل درساً تاريخياً مهماً.
فالدول الأربع تتحرك اليوم داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحرب في السودان، وأمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب وخليج عدن، ومكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وأمن الحدود، وقضايا المياه، وحماية الملاحة والتجارة الدولية، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البنية التحتية والطاقة وربط الأسواق والموانئ.
لذلك يبدو أن منطق المرحلة الجديدة يقول: ليس ضرورياً أن نتحد سياسياً حتى نتعاون استراتيجياً.
لماذا تعثرت مشاريع السبعينيات؟
لا يمكن اختزال أسباب تعثر تجارب الوحدة والتكامل في عامل واحد، لكن أحد الدروس الواضحة أن المشروع السياسي كان في أحيان كثيرة أكبر من قدرة المؤسسات على حمايته واستمراره.
فالعلاقات بين الدول لا تتحرك في فراغ. القيادات تتغير، والأولويات تتبدل، والظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية تتغير، كما تتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية.
وعندما يصبح مشروع التكامل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالإرادة السياسية الآنية للقيادات، فإن تغير الظروف يمكن أن يضعف المشروع كله.
أما التكامل الاقتصادي الحقيقي، فيحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والاتفاقات السياسية: يحتاج إلى تجارة واستثمارات وموانئ وطرق وسكك حديدية وطاقة ومشروعات زراعية وصناعية وآليات مالية، وحركة أكثر سهولة للسلع ورؤوس الأموال والأشخاص.
أي أن التكامل الناجح لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمصالح التي تصبح مع مرور الوقت جزءاً من الحياة اليومية للدول والشعوب.
رباعية العلمين.. اختبار المصالح
من هنا ربما لا تحتاج مصر والسودان وإريتريا والصومال اليوم إلى استنساخ تجربة «الاتحاد» القديمة.
الأكثر واقعية أن تبدأ الدول الأربع من المصالح المشتركة، ثم تترك للتعاون الناجح أن يفتح الطريق أمام مستويات أعمق من التكامل.
فإذا نجحت في بناء آليات دائمة للتنسيق الأمني، والتعاون في البحر الأحمر، وحماية الملاحة، وربط الموانئ والطرق والطاقة، وتسهيل التجارة والاستثمار، والتعاون الزراعي والأمن الغذائي، فإنها تكون قد وضعت أساساً عملياً أكثر صلابة من أي إعلان سياسي كبير.
والسودان يمكن أن يكون في قلب هذا المشروع، لا باعتباره دولة تحتاج إلى الدعم فقط، وإنما باعتباره دولة تمتلك موارد زراعية وحيوانية واسعة، وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وموانئ، وسوقاً كبيراً، وموارد طبيعية وفرصاً استثمارية يمكن أن تجعل منه حلقة وصل مهمة بين وادي النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وهنا تتحول جغرافيا السودان من مجرد موقع على الخريطة إلى عنصر اقتصادي واستراتيجي في منظومة إقليمية أوسع.
من شعارات الوحدة إلى مشاريع المصالح
ربما يكون الفرق الأكبر بين الأمس واليوم أن المنطقة لم تعد بحاجة إلى رفع شعار «الوحدة» بقدر حاجتها إلى بناء مصالح تجعل التعاون ضرورة، واستمراره مصلحة مشتركة.
فالبيان السياسي يمكن أن يطلق المشروع، لكنه لا يستطيع وحده أن يحميه.
أما عندما يتحول التعاون إلى طريق وميناء وخط كهرباء ومشروع زراعي وممر تجاري واستثمار مشترك وآلية أمنية دائمة، فإن الشعوب تبدأ في لمس نتائجه، وتصبح استمراريته أقل ارتباطاً بتغير الحكومات والقيادات.
وهنا تحديداً تكمن قيمة استعادة قصاصة الأهرام القديمة.
فهي ليست مجرد خبر من زمن مضى، وإنما وثيقة تختصر مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، وتضع تجربة السبعينيات أمام اختبار الحاضر.
قصاصة من الأرشيف.. وسؤال من الحاضر
واللافت أن هذه القصاصة الصحفية التي تعود إلى عام 1971، وكانت صحيفة الأهرام في ذلك الوقت واحدة من أهم منابر صناعة الخبر والتحليل في العالم العربي، لم أجدها في أرشيف مؤسسة صحفية، وإنما عثرت عليها في مكتب زميلنا سليم العزاوي، سكرتير مجلس إدارة مجموعة دار الشرق في الدوحة
والحقيقة أن مكتب الزميل سليم تحول، بمرور السنوات، إلى ما يشبه منصة أرشيفية صغيرة تضم كنزاً من الصحف والصور والوثائق القديمة والحديثة، تحفظ جانباً من ذاكرة الصحافة العربية والخليجية.
وهذه القصاصة واحدة من تلك الكنوز التي تستحق ألا تبقى حبيسة الأدراج؛ لأنها لا تحفظ خبراً قديماً فحسب، وإنما تستعيد أمامنا تجربة سياسية واقتصادية كاملة، وتمنحنا فرصة لقراءة الحاضر بعين التاريخ.
ومن المفارقات الجميلة أن قصاصة عمرها أكثر من نصف قرن، تتحدث عن مشاريع الاتحاد والتكامل، تظهر اليوم في وقت تعود فيه الدول نفسها تقريباً، ولكن ضمن خريطة إقليمية مختلفة، للبحث عن صيغة جديدة للتعاون.
غير أن اللغة هذه المرة تبدو أكثر واقعية: تشاور، تنسيق، أمن، تجارة، استثمار، طاقة، بنية تحتية ومصالح مشتركة.
ولعل هذا هو الدرس الذي يمكن أن تستفيده رباعية العلمين من تجربة السبعينيات:
لا تبدأوا بما هو أكبر من قدرة الواقع، بل ابدأوا بما يحتاجه الواقع فعلاً.
فإذا نجحت المصالح، يمكن أن يتطور التعاون. وإذا ترسخت المؤسسات، يمكن أن يصبح التكامل أكثر عمقاً. أما الشعارات وحدها، فقد أثبت التاريخ أنها لا تكفي.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تستطيع رباعية العلمين أن تفعل بالمصالح المشتركة ما لم تستطع مشاريع الوحدة والاتحاد فعله في السبعينيات؟
هذا هو الاختبار الحقيقي.. والأهم أن تكون هذه المرة هناك مشاريع تُرى على الأرض، لا مجرد عناوين تُحفظ في الأرشيف
