الخرطوم شوف عين (5)
بحري سر الهوى
محمد يوسف العركي
كان طريقي إلى بحري يمر عبر السجانة، وكانت تلك الأيام توافق احتفالات المولد النبوي الشريف، ذلك الموسم الذي اعتادت الخرطوم أن تتزين فيه بالأعلام والسرادقات، وتمتلئ ساحاته بأصوات المدائح والذاكرين، وتفوح في أجوائه روائح الحلوى والبخور.
ولذلك اتجه بصري تلقائياً نحو ميدان المولد وأنا أعبر المكان على متن الحافلة، أبحث عن شيء من تلك المشاهد التي حفظتها الذاكرة منذ سنوات بعيدة، غير أن ما استقبل عيني هذه المرة كان مختلفاً تماماً.
أنقاض سيارات محترقة.
وهياكل متناثرة.
وآثار حرب ما تزال ماثلة للعيان.
فتذكرت بيتاً للراحل محمد المهدي المجذوب وهو يصور مشهد الصبية الفقراء وامهم ليلة المولد في قصيدته الشهيرة:
“وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار”
ثم أخذت أفتش بعيني عن الأعلام وهي ترفرف، والخيام وهي تمتد على جنبات الميدان، فإذا بالأنقاض تحتل مكان السرادقات، وإذا بالمشهد كله يحكي حكاية أخرى غير تلك التي ألفناها في مواسم المولد.
وتكرر المشهد مرة أخرى غرب موقف شروني، بالقرب من الأشلاق القديمة.
فقد بدا المكان أشبه بمقبرة كبيرة للسيارات.
سيارات فوق سيارات.
بعضها احترق بالكامل.
وبعضها صار هيكلاً بعد عين.
وفي تلك اللحظة سرت في داخلي وخزة من الألم.
وحضرت إلى ذهني صورة سيارتي التي احرقوها داخل المنزل حينما عجز الجنجويد، قاتلهم الله، عن سحبها.
فنظرت إلى تلك السيارات وقلت في نفسي:
لها هنا أخوات…
لكن حالت بينهن المسافات.
ومضت الحافلة بعد ذلك نحو كبري المك نمر.
وما إن أخذت طريقها فوق الكبري حتى هبت نسمات النيل الأزرق تحمل معها شيئاً من رائحة الأمكنة القديمة. أحسست يومها أن المسافة بيني وبين بحري لم تكن تقاس بالكيلومترات، بل بسنوات الغياب نفسها. وكانت المدينة تلوح من بعيد كما يلوح وجه صديق طال الفراق بينك وبينه، فتغلبك الذكريات قبل أن تبلغ اللقاء.
ولعله لذلك تغنى لها الفنانون بأنها “العلاج والدواء”.
نشوة تشبه ما وصفه الشاعر صلاح أحمد إبراهيم في رائعته “مريا”:
فإذا ما سرت النشوة فيَّ
أتداعى وأنادي:
يا بنات
نقروا القيثار في رفق
وهاتوا الأغنيات
لمريا
وتركت بصري يتجول في الماء وعلى الضفاف، كأنني أستعيد صلة قديمة انقطعت لسنوات.
وكان أول ما استقبلني بعد النزول من الكبري مشهداً يشبه روح بحري نفسها.
نافورة يغازل تصميمها الماء المنساب.
وكأنها تقول لكل قادم:
هنا توجد حياة.
وهنا تواصل المدينة سيرتها رغم كل ما جرى.
فعرفت من جديد لماذا قال الناس عنها إنها “سر الهوى”.
ومن أول ما لفت انتباهي كذلك أعمال الصيانة والتأهيل الجارية في الشارع الرئيسي بالمحطة الوسطى.
كانت آثار العمل واضحة، والآليات منتشرة، في مشهد يعكس رغبة حقيقية في إعادة الحياة إلى طبيعتها.
وأحسب أن هذه الأعمال قد اكتملت الآن أو شارفت على ذلك.
ومن هناك دلفت إلى سوق سعد قشرة.
دخلته بفضول المشتاق إلى معرفة أحوال المدينة.
فوجدت السوق قد عاد بفضل الله.
ومعظم المحال كانت مفتوحة.
غير أن الحركة التجارية بدت هادئة إلى حد ما.
ولعل مرد ذلك إلى أن الوقت كان نهاراً، أو إلى عدم وجود موسم للأعياد والتسوق.
ثم واصلت طريقي نحو المؤسسة.
وكان النشاط التجاري فيها أكثر وضوحاً، وتغلب عليه الكافتيريات والمحال الصغيرة التي عادت تقدم خدماتها للناس.
ولعل أجمل ما رأيته في بحري ذلك اليوم لم يكن الأسواق ولا الشوارع، وإنما الناس.
كانت في الوجوه ملامح وثابة، وفي الخطوات عزم لا تخطئه العين. وكان المرء يشعر وهو يتأمل المارة أن المدينة بدأت تسترد نبضها القديم شيئاً فشيئاً.
كما لفت انتباهي حضور طلاب الجامعات وهم يتنقلون بين المواصلات والطرقات بحقائبهم ودفاترهم، في مشهد افتقدته بحري طويلاً، وافتقده معها كل من عرف هذه المدينة وعرف حيويتها. كانوا يمضون إلى جامعاتهم كأنهم يحملون رسالة صامتة تقول إن الحرب مهما استطالت لا تستطيع أن توقف عجلة الحياة، ولا أن تطفئ شغف الناس بالعلم والمستقبل.
وكان منظرهم باعثاً على التفاؤل، فعودة الطلاب إلى قاعات الدراسة ليست مجرد انتظام أكاديمي، بل علامة مؤكدة على أن الحياة تستعيد إيقاعها الطبيعي، وأن المستقبل ما زال يجد من يسعى إليه رغم كل ما مر بالبلاد.
فقلت في نفسي:
ما أعجب هذا الشعب!
فما إن تضع المحن بعض أوزارها حتى يعود إلى العمل والعلم وبناء الحياة، وكأن الأمل جزء أصيل من تكوينه لا تستطيع الشدائد أن تنتزعه منه.
وحين أدركتني صلاة العصر اتجهت نحو حي الشعبية أبحث عن مسجد.
ولما دخلت المسجد وجدته غارقاً في سكينة العصر.
غير أن الكهرباء كانت مقطوعة.
فلم أدرِ هل لم تصل الكهرباء بعد أم أنها قطوعات مبرمجة.
وحقيقة لم أسأل أحداً.
أديت الصلاة ومضيت في طريقي.
وبعد أن أكملت واجبي الاجتماعي عدت إلى المحطة الوسطى.
وخلال انتظاري وتأملي لحركة المواصلات خرجت بانطباع بدا لي مهماً.
فالحافلات المتجهة نحو الكدرو وأم القرى والدروشاب وشمبات كانت تتحرك باستمرار، وتمتلئ بالركاب في وقت وجيز.
وكان ذلك، في تقديري، مؤشراً على أن هذه المناطق قطعت شوطاً لا بأس به في مسيرة التعافي وعودة السكان والحياة اليومية إليها.
وحين حان وقت الرحيل، ودعت بحري بذات الحفاوة التي استقبلتني بها.
وجلست في كافتيريا تجاور موقف مواصلات الكلاكلة اللفة.
وطلبت كوباً بارداً من الليمون.
وكان التعب قد بدأ يغادر الجسد شيئاً فشيئاً.
وفي الخلفية كان صوت مؤدٍ شاب يردد رائعة صديقي العزيز عبد العال السيد:
زهرة السوسن
عطرك الفواح للنفوس مسكن
يا زهرة السوسن
قلتا ليك طلي وحيي لو أمكن
قلتي لا لا وفي الربيع أحسن
ثم يمضي مردداً:
الربيع أهو فات وإنتِ ما جيتي
وحزنت الساحات وروحي صحيتي
فيها إيه لو يوم مرة طليتي
يا النسيتينا وقلتي ما نسيتي
فامتزج صوت الأغنية بحركة وصخب الموقف وخلاصة يوم كامل قضيته بين بعض شوارع بحري وأسواقها وأحيائها.
وغادرت المكان وأنا أحمل صورتين متجاورتين.
صورة الحرب وآثارها التي لا تخطئها العين.
وصورة الحياة وهي تعود في هدوء وإصرار.
وبين الصورتين تواصل بحري، مثل بقية مدن السودان، كتابة حكايتها الجديدة.
حكاية مدينة جُرحت كثيراً…
لكنها ما زالت قادرة على الابتسام.
وأنا أغادرها يومئذٍ، التفتُّ إليها كما يلتفت المرء إلى صديقٍ يودعه على أمل اللقاء. وأيقنت أن بحري ما زالت تحتفظ بسر الهوى الذي أحببناه فيها، وأن المدن العظيمة قد تنكسر بعض جوانبها، وقد يثقلها التعب، لكنها لا تموت ما دام في أهلها هذا القدر من الصبر، وفي شوارعها هذا الإصرار الهادئ على استئناف الحياة.
ونواصل إن شاء الله…
E-mail: arakidoha@yahoo.com
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
