من الوصاية على المغترب إلى تمكينه اقتصادياً
نحو سياسة جديدة لاستقطاب مدخرات السودانيين بالخارج وتوظيفها في التنمية
د. عادل التجاني
تظل مدخرات السودانيين بالخارج إحدى الفرص المهمة لدعم الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل الحرب وما خلفته من تدمير للقدرات الإنتاجية والبنية التحتية، وتراجع الموارد المالية والنقد الأجنبي. غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كيف نستقطب أموال المغتربين؟ بل: لماذا يحتفظ كثير منهم بمدخراتهم خارج السودان، وما الذي يمكن أن يجعل توظيفها في الاقتصاد الوطني خياراً جاذباً وآمناً؟
لقد انصرفت سياسات ومبادرات عديدة إلى تقديم حوافز مالية، أو أسعار صرف تفضيلية، أو مشروعات استثمارية معدة سلفاً، وكأن الدولة تستطيع تحديد ما يناسب المغترب بصورة أفضل منه. وقد سبق أن طرحت فكرة مختلفة في اجتماع جامع للجهات المعنية بتحويلات المغتربين، تقوم على الانتقال من التفكير نيابة عن المغترب إلى تمكينه من اتخاذ قراره الاقتصادي بنفسه.
فالمغترب ليس مجرد مصدر للدولارات، وإنما صاحب مال وخبرة ومعرفة بالأسواق، وله الحق في اختيار الطريقة التي يدخر بها أمواله أو يستثمرها.
هل يكفي سعر الصرف التفضيلي؟
لا شك أن سعر الصرف يؤثر في اختيار قنوات التحويل، لكنه ليس العامل الوحيد. فالمغترب ينظر أيضاً إلى سلامة أمواله، وإمكانية سحبها وتحويلها، واستقرار السياسات المصرفية، وتكلفة الخدمات وسرعة إنجازها.
وقد قدم السودان تجربة تستحق الدراسة عندما وحد أسعار الصرف في فبراير 2021. وأشارت تقارير صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع كبير في التحويلات المسجلة عبر القنوات الرسمية عقب الإصلاح، وصل إلى نحو خمسة أضعاف مستواها السابق خلال الفترة التي تناولتها التقارير.
لكن ينبغي التمييز بين زيادة التحويلات المصرفية المسجلة وزيادة النقد الأجنبي الذي يدخل الاقتصاد فعلياً. فقد يكون جزء من الزيادة ناتجاً عن انتقال الأموال من القنوات غير الرسمية إلى المصارف، دون زيادة مماثلة في إجمالي التدفقات.
كما أن منح سعر صرف تفضيلي بصورة مستمرة قد يرتب تكلفة على المصارف أو الدولة، وربما ينتقل جزء منها إلى الأسعار، بحسب طريقة تمويل الحافز واستخدام النقد الأجنبي.
ولهذا ينبغي تقييم الحوافز السعرية وفق تكلفتها وما تحققه من موارد إضافية، لا وفق حجم التحويلات المسجلة وحده.
وتكشف بيانات البنك الدولي عن تفاوت كبير في تكاليف إرسال الأموال من بعض الدول إلى السودان، بما في ذلك الفروق بين أسعار الصرف التي تستخدمها شركات التحويل. وهذا يؤكد أن تخفيض العمولة المعلنة وحده لا يكفي، بل ينبغي الإفصاح عن التكلفة الإجمالية والمبلغ الذي يتسلمه المستفيد فعلياً.
المعلومات قبل الحوافز
توضح النظريات الاقتصادية أن المعلومات والمعرفة موزعتان بين الأفراد، وأن الجهات المركزية لا تستطيع الإحاطة بجميع الفرص والتفضيلات الاقتصادية. كما أن نقص المعلومات الموثوقة وارتفاع تكاليف البحث والإجراءات قد يمنعان الاستثمار، حتى عندما تتوافر الأموال.
فالمغترب الذي يعمل في التجارة أو الصناعة أو التكنولوجيا قد يمتلك خبرات وعلاقات خارجية تمكّنه من اكتشاف فرص لا تستطيع المؤسسات الحكومية تحديدها نيابة عنه.
لكن هذا المغترب يحتاج إلى معلومات دقيقة عن احتياجات السوق السوداني، وفرص الاستيراد والتصدير، وتكاليف الإنتاج، والمخاطر، والإجراءات القانونية والضريبية.
وهنا يمكن الاستفادة من التجربة الماليزية، حيث تضطلع مؤسسات متخصصة بتوفير المعلومات الاستثمارية والتجارية وتيسير الوصول إلى الأسواق. كما تقدم التجربة المصرية أمثلة على تنويع الخدمات والحوافز الموجهة إلى المواطنين بالخارج.
ولا يعني ذلك نقل هذه التجارب حرفياً، وإنما الاستفادة من وظائفها التي تتناسب مع الواقع السوداني.
شركة وطنية للمعلومات والفرص الاستثمارية
أقترح إنشاء منظومة وطنية متخصصة، يمكن أن تحمل اسم «الشركة السودانية للمعلومات والفرص التجارية والاستثمارية»، تكون مهمتها توفير معلومات موثوقة ومحدثة عن فرص الاستثمار والتجارة داخل السودان وخارجه.
وتشمل خدماتها التعريف بالسلع التي يحتاج السودان إلى استيرادها، والمنتجات القابلة للتصدير، والأسواق الخارجية، والمشروعات الاستثمارية الممكنة، وتكاليفها ومخاطرها.
ولا ينبغي أن تتولى هذه المؤسسة اختيار المشروعات للمغتربين أو ضمان أرباحها، بل تساعدهم على المقارنة واتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
كما أن إنشاء شركة جديدة ليس غاية في ذاته؛ فإذا أمكن تطوير مؤسسة قائمة للقيام بهذه الوظائف بكفاءة وتكلفة أقل، كان ذلك أولى.
الجامعات والمصارف شريكان في التنمية
يمكن أن تؤدي الجامعات السودانية دوراً محورياً في إعداد دراسات جدوى اقتصادية وفنية للمشروعات المقترحة، وفق معايير مهنية واضحة ومراجعة مستقلة.
وتقدم هذه الدراسات للمغتربين مجاناً، على أن تتولى المصارف تمويلها من خلال صندوق مستقل، وفق مساهمات تراعي قدراتها المالية وتخضع للرقابة والمساءلة.
وقد يبدو هذا التمويل عبئاً إضافياً على المصارف، لكنه يمكن أن يمثل استثماراً في إنتاج المعلومات الاقتصادية التي تساعد على تحسين قرارات المستثمرين، وتوسيع النشاط التجاري والمصرفي.
والأهم أن دراسة الجدوى الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تؤدي إلى تنفيذ مشروع؛ فقد تكون قيمتها الحقيقية في كشف عدم جدواه، وتجنيب المستثمر خسارة محتملة.
ويجب الفصل بين إعداد الدراسات ومراجعتها وقرارات التمويل، حتى لا تتحول المبادرة إلى مجال لتضارب المصالح أو المجاملة.
حسن المعاملة حافز اقتصادي أيضاً
لا ينبغي أن تقتصر علاقة الدولة بالمغترب على مطالبة مستمرة بتحويل الأموال.
فحسن المعاملة، وتيسير الإجراءات، وسرعة الخدمات، واحترام الوقت، كلها عناصر تسهم في بناء الثقة.
ومن المقترحات العملية توفير بطاقة أو وسيلة تعريف للمغتربين تتيح لهم الاستفادة من مسار سريع في المطارات والمنافذ، على غرار بعض التسهيلات المقدمة لكبار الشخصيات، دون إعفاء من الإجراءات القانونية أو الأمنية، ودون ربط الخدمة بحجم الأموال المحولة.
كما ينبغي تيسير الخدمات المصرفية الإلكترونية، وتحديث البيانات عن بُعد حيث تسمح الضوابط، وإنشاء قنوات فعالة للشكاوى والتظلمات.
فهذه الخدمات قد تكون أقل تكلفة وأكثر استدامة من بعض الحوافز النقدية المؤقتة.
من المبادرات المؤقتة إلى سياسة مؤسسية
إن المقترح لا يقوم على إلغاء الحوافز المالية بصورة مطلقة، وإنما على وضعها في إطار اقتصادي متكامل، تُقاس فيه التكلفة والعائد، وتُحمى فيه حقوق أصحاب الأموال.
وتؤكد الدراسات الاقتصادية أهمية قدرة المغترب على التحكم في مدخراته، وتوافر المعلومات، وانخفاض تكاليف المعاملات. لكن نجاح النموذج المقترح في السودان يظل بحاجة إلى تجربة عملية وتقييم مستقل.
ولهذا يمكن البدء ببرنامج محدود يجمع بين منصة معلومات استثمارية، وعدد من دراسات الجدوى الجامعية، وتحسين بعض الخدمات المصرفية والإجرائية، ثم قياس نتائجه قبل التوسع.
ويجب أن يشمل التقييم حجم التحويلات الإضافية، ومستوى الثقة، وجودة الدراسات، وعدد المشروعات التي وصلت إلى التنفيذ، وآثارها على الإنتاج والصادرات وفرص العمل.
فالهدف ليس زيادة الأموال التي تمر عبر المصارف فحسب، بل زيادة قدرة الاقتصاد السوداني على جذب المدخرات وتوظيفها بصورة منتجة ومستدامة.
خاتمة: استقطاب الثقة قبل استقطاب الأموال
إن العلاقة الاقتصادية السليمة بين الدولة والمغترب لا تُبنى على افتراض أن الدولة تعرف مصلحته أكثر منه، وإنما على احترام حقه في الاختيار، وتوفير المعلومات التي يحتاج إليها، وحماية أمواله وحقوقه، وإزالة المعوقات التي تواجهه.
فالدولة مسؤولة عن بناء البيئة المناسبة، والجامعات عن الإسهام في إنتاج المعرفة، والمصارف عن تقديم الخدمات والتمويل وفق أسس سليمة، بينما يبقى القرار الاستثماري لصاحب المال.
فاستقطاب المدخرات يبدأ باستقطاب الثقة، والثقة لا تُشترى بسعر صرف تفضيلي، وإنما تُبنى بالمؤسسات والحقوق والمعلومات وحسن المعاملة.
وعندئذ فقط نكون قد انتقلنا من سياسة استقطاب الدولارات إلى سياسة بناء اقتصاد يستحق
فاستقطاب المدخرات يبدأ باستقطاب الثقة، والثقة لا تُشترى بسعر صرف تفضيلي، وإنما تُبنى بالمؤسسات والحقوق والمعلومات وحسن المعاملة.
وعندئذ فقط نكون قد انتقلنا من سياسة استقطاب الدولارات إلى سياسة بناء اقتصاد يستحق الاعتماد عليه .

