عودة الراجحي.. فرصة لإحياء مشروع الأمن الغذائي العربي في السودان
-عودة الراجحي يمكن أن تكون بداية عملية لإعادة الثقة في القطاع الزراعي السوداني،
-، لا بد من الإشادة بجهود البروفيسور عصمت قرشي، في العمل على تحسين المناخ الاستثماري والإنتاجي في القطاع الزراعي السوداني
الدوحة حسن ابوعرفات مجلة حواس
عودة مجموعة الراجحي للاستثمار الزراعي في السودان ليست مجرد استئناف لنشاط شركة، بل فرصة لإحياء مشروع استراتيجي طال انتظاره، يقوم على توظيف الأراضي الزراعية والمياه والخبرات والتمويل في إنتاج الغذاء، وفي مقدمة ذلك القمح الذي يمثل سلعة استراتيجية للعالم العربي.
لقد شهدنا في زيارات ميدانية سابقة مشروعات الراجحي في ولاية نهر النيل، وسمعنا من مؤسس المجموعة الراحل الشيخ سليمان الراجحي رؤيته الطموحة لتطوير زراعة القمح، وصناعة التمور، ومشروعات الألبان والثروة الحيوانية، بما يحقق قيمة مضافة للسودان ويعزز الأمن الغذائي العربي.
المطلوب اليوم ألا تتكرر تجربة التعثر والتوقف، بل أن تتحول العودة إلى شراكة استثمارية محمية بالقانون، واضحة الالتزامات، مدعومة بالبنية التحتية والتمويل والتقنيات الحديثة، وتحقق مصالح المستثمر والسودان معاً.
السودان لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة فحسب، بل إلى استثمارات تبدأ وتستمر وتنتج. وعودة الراجحي يمكن أن تكون بداية عملية لإعادة الثقة في القطاع الزراعي السوداني، إذا أحسنت الدولة توفير البيئة المناسبة، وحماية الاستثمارات، ومحاسبة الجهات التي تعرقل المشروعات، مع ضمان حقوق المجتمعات المحلية.
– مشروع الكفاءة الزراعي – ولاية نهر النيل
100 ألف فدان
المساحة الإجمالية المعلنة للمشروع
تأسس المشروع في منطقة بربر، وبدأ العمل فيه عام 2008، واحتوى على منظومة ري من النيل، ورشاشات محورية، ومخازن وورش وخدمات للعاملين. وأفادت صحيفة الرياض عام 2011 بأن استثمارات المشروع بلغت 300 مليون ريال سعودي آنذاك.
– مشروع الشمالية الزراعي
400 ألف فدان؟
تنبيه: الموقع الرسمي يستخدم وحدة الفدان الإنجليزي (acre)
تعرض الشركة على موقعها مساحة قدرها 400 ألف acre لمشروع الشمالية، مقابل 100 ألف acre لمشروع الكفاءة. والـ acre يعادل نحو 2.4 فدان سوداني؛ لذلك لا يجوز الخلط بين الوحدتين.
ما التكلفة الإجمالية للمشروعات؟
المعلومة المالية التاريخية الأكثر وضوحاً التي أمكن توثيقها هي تكلفة 300 مليون ريال سعودي لمشروع الكفاءة الزراعي وفق تقرير صحفي نُشر في يناير 2011.
لكن هذا الرقم لا يمثل بالضرورة التكلفة الإجمالية لكل استثمارات الراجحي في السودان، ولا تكلفة إعادة تشغيلها في الوقت الحالي. ولم أجد في المصادر المتاحة رقماً موثقاً ومحدثاً يحدد إجمالي قيمة مشروعات المجموعة في السودان، بما فيها مشروع الشمالية.
ومن المهم أيضاً عدم جمع تكلفة مصنع الأسمنت أو المشروعات الأخرى مع الاستثمار الزراعي دون التحقق من ملكيتها وقيمتها وتداخلها مع الأرقام المعلنة.
ث – ماذا تقول الدراسات عن إنتاجية المشروع؟
دراسة منشورة بجامعة النيلين عام 2018، تناولت مشروعات الراجحي الزراعية في ولاية نهر النيل خلال الفترة 2010–2017، أشارت إلى أن إنتاجية المشروع بلغت في أحد المواسم نحو 27–30 جوالاً للفدان. كما بحثت مساهمة المشروع في التشغيل والدخل والتنمية المحلية.
وهذه نقطة مهمة: تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على المساحة المخصصة له أو قيمة الأموال المستثمرة، بل يجب أن يشمل الإنتاج الفعلي، وتكلفة وحدة الإنتاج، واستهلاك المياه، وفرص العمل، وحجم المشتريات المحلية، وما يضيفه إلى إمدادات القمح السوداني.
رابعاً: ما المطلوب من الحكومة السودانية الآن؟
أرى أن استئناف النشاط ينبغي أن يرتبط بخطة تنفيذ واضحة تتضمن:
حصر الأصول القائمة: الأراضي المستصلحة، والآبار والقنوات، ومحطات الضخ، والرشاشات والمخازن والآليات.
تحديد التمويل المطلوب لاستئناف الإنتاج: مع الفصل بين الأموال المستثمرة سابقاً والتكلفة الجديدة لإعادة التأهيل والتوسع.
برنامج زمني معلن: للمساحات التي ستُزرع بالقمح والمحاصيل الأخرى، والإنتاج المستهدف في كل موسم.
ضمان استدامة الاستثمار: من خلال استقرار العقود والتراخيص، وحماية حقوق المستثمر، وتسوية أي نزاعات سابقة.
تعظيم العائد للسودان: عبر تشغيل العمالة المحلية، وتدريب المزارعين، وتطوير التخزين والطحن والتصنيع الزراعي، وتوفير جزء من الإنتاج للسوق المحلية وفق الاتفاقات المنظمة.
الخلاصة: مشروع الراجحي ليس تجربة تبدأ من الصفر؛ فقد أُنفقت فيه استثمارات كبيرة، وأُنشئت بنية تحتية زراعية مهمة. والتحدي الآن هو معرفة ما بقي من تلك الأصول، وما يحتاج إلى إعادة تأهيل، وحجم التمويل الجديد، ثم تحويل العودة المعلنة إلى إنتاج مستدام.
وأقترح أن يكون السؤال الصحفي الأهم لوزارة الزراعة السودانية هو: ما القيمة الإجمالية للأصول القائمة لمشروعات الراجحي في السودان، وكم تبلغ كلفة إعادة تشغيلها، وما المساحة التي ستدخل الإنتاج فعلياً في الموسم الزراعي المقبل؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد الحجم الحقيقي للعودة الاستثمارية، بعيداً عن الاكتفاء بالإعلانات العامة
وفي هذا الاتجاه، لا بد من الإشادة بجهود وزير الزراعة والري، البروفيسور عصمت قرشي، في العمل على تحسين المناخ الاستثماري والإنتاجي في القطاع الزراعي السوداني، وتهيئة الظروف الملائمة لاستعادة النشاط في المشروعات الزراعية الاستراتيجية، وتعزيز الشراكة مع المستثمرين العرب.
إن عودة مجموعة الراجحي تمثل اختباراً عملياً لمدى قدرة السياسات الزراعية على الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة الإنتاج المستدام، وهو ما يتطلب تنسيقاً فاعلاً بين الوزارة والجهات المختصة والولايات المعنية، لمعالجة التحديات التي تواجه المشروعات القائمة، وتسهيل الإجراءات، وتوفير متطلبات التشغيل، وتعزيز الثقة بين الدولة والمستثمرين.
ونأمل أن تتواصل هذه الجهود لتتحول إلى خطوات تنفيذية ملموسة، تعيد المشروعات المتعثرة إلى دائرة الإنتاج، وتستقطب استثمارات جديدة في القمح والمحاصيل الاستراتيجية والثروة الحيوانية والصناعات الزراعية. فالسودان يمتلك الموارد الطبيعية والإمكانات التي تؤهله للقيام بدور محوري في الأمن الغذائي العربي، لكن تحقيق هذه الإمكانات يظل رهناً ببيئة استثمارية مستقرة، وسياسات واضحة، ومشروعات تنتج على أرض الواقع.
إن دعم جهود الوزير عصمت قرشي ينبغي أن يقترن بمتابعة النتائج وقياس أثرها في زيادة المساحات المزروعة، ورفع الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز مساهمة الزراعة في الاقتصاد الوطني. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي جهد هو ما يحققه من إنتاج وقيمة مضافة للمواطن السوداني، وما يفتحه من آفاق لشراكات عربية مستدامة تخدم مصالح السودان والمنطقة


