تحويلات المغتربين.. طوق نجاة للقطاع المصرفي السوداني
بقلم: د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي
في ظل تدهور قيمة الجنيه السوداني واتساع الفجوة بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، تبرز تحويلات السودانيين بالخارج باعتبارها موردًا إستراتيجيًا يمكن أن يسهم في إنعاش القطاع المصرفي، ودعم سوق الصرف، وتوفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات.
لكن السؤال الأهم: لماذا لا تزال هذه التحويلات دون مستوى الاستفادة الاقتصادية الممكنة، وكيف يمكن استقطابها عبر القنوات الرسمية؟
قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحويلات السودانيين بالخارج بنحو 3 مليارات دولار سنويًا في تقديرات تاريخية سبقت الحرب، وهو ما يعكس أهمية هذه الموارد، دون أن يمثل تقديرًا لحجم التحويلات الفعلية في عام 2026.
وتبرز الحاجة اليوم إلى بيانات محدثة من بنك السودان المركزي تحدد حجم التحويلات الرسمية، ونسبة ما يمر عبر القنوات غير الرسمية، وتكلفة استعادة هذه التدفقات إلى الجهاز المصرفي.
إن المشكلة لا تكمن في حجم الأموال التي يرسلها المغتربون وحده، بل في قدرة النظام المصرفي على جذبها. فالمغترب يقارن بين سعر الصرف، ورسوم التحويل، وسرعة وصول الأموال، وسهولة استلامها واستخدامها. وعندما يجد أن السوق الموازي يوفر عائدًا أعلى أو إجراءات أسرع، يصبح اللجوء إليه خيارًا اقتصاديًا لبعض المتعاملين.
لذلك، فإن مواجهة السوق الموازي لا تتحقق بالإجراءات الرقابية وحدها، وإنما بتقليص الفجوة بين أسعار الصرف، وتوفير أسعار تنافسية وشفافة لدى الجهات المرخصة، وخفض رسوم التحويل، وتبسيط الإجراءات، مع تعزيز الرقابة على الأنشطة غير القانونية. فكلما أصبحت القنوات الرسمية أكثر جاذبية، زادت فرص استقطاب التحويلات واستعادة النقد الأجنبي إلى الدورة الاقتصادية المنظمة.
التحول الرقمي هو المدخل الأساسي لاستعادة هذه الأموال. وينبغي أن تعمل المصارف وشركات التحويل المرخصة على تطوير شراكات مع المؤسسات المالية في دول الاغتراب، وربط التحويلات مباشرة بالحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية، وإتاحة التحويل بين المصارف، وسداد الفواتير والمشتريات إلكترونيًا. فالهدف ليس استقبال الأموال فقط، بل بناء منظومة تسمح باستخدامها بأمان وسهولة دون الاضطرار إلى سحبها نقدًا بالكامل.
كما يمكن تطوير بوابة رقمية موحدة تتيح للمغترب مقارنة الرسوم وأسعار الصرف المعلنة، ومعرفة المبلغ الذي سيصل إلى أسرته قبل تنفيذ التحويل. ويتطلب ذلك بنية تقنية موثوقة، وخططًا لاستمرارية الخدمات، وحماية بيانات العملاء، مع توفير بدائل مناسبة لمن لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات الرقمية.
وفي الجانب التسويقي، تبرز أهمية إطلاق برنامج وطني للحوافز المصرفية يشمل تخفيض رسوم التحويل، وتقديم مزايا للعملاء المنتظمين، والإعفاء من بعض رسوم الخدمات، وتطوير برامج مكافآت ومنتجات ادخارية واستثمارية اختيارية. وينبغي أن تخضع الحوافز لإطار تنظيمي واضح، وأن تستهدف زيادة التحويلات الرسمية فعليًا، لا مجرد زيادة عدد الحسابات المفتوحة.
أما جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، فينبغي أن ينتقل من الدور الإداري التقليدي إلى شراكة اقتصادية فاعلة، عبر التواصل المنظم مع الجاليات، وإنشاء قاعدة بيانات طوعية تحترم الخصوصية، وتنظيم ملتقيات مصرفية في دول الاغتراب، وإطلاق بوابة للتعريف بالخدمات المرخصة ومعالجة الشكاوى، بالتنسيق مع بنك السودان المركزي والمصارف والسفارات.
ويمكن تنفيذ هذه الرؤية خلال عام، يبدأ بتشخيص حجم التحويلات وتكلفتها وأسباب توجهها خارج النظام الرسمي، ثم إطلاق تجربة للحوافز والخدمات الرقمية في عدد من أسواق الاغتراب، يليها التوسع وفق النتائج. ويُقاس النجاح بنمو قيمة التحويلات الرسمية، وانخفاض تكلفة إرسالها، وسرعة وصولها، وزيادة استخدام الحسابات والخدمات الرقمية، وليس بعدد التطبيقات أو الحسابات الجديدة فقط.
ومع ذلك، فإن تحويلات المغتربين، مهما ارتفعت، لن تكون بديلًا عن إصلاحات الاقتصاد الكلي؛ فاستقرار الجنيه يتطلب أيضًا دعم الإنتاج والصادرات، وتحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز الثقة في السياسات النقدية والمصرفية. كما أن معظم التحويلات الأسرية موجهة لاحتياجات أساسية كالغذاء والتعليم والعلاج، ولذلك لا يمكن افتراض تحولها بالكامل إلى ودائع مصرفية.
الخلاصة أن تحويلات المغتربين يمكن أن تكون رافعة مهمة للتعافي المصرفي، لكنها ليست حلًا سحريًا للأزمة. فاستعادة هذه الأموال تبدأ باستعادة الثقة، وتوفير سعر صرف تنافسي، وخدمات رقمية آمنة، ورسوم معقولة، وحوافز ملموسة، وتنسيق مؤسسي فعال.
إن التحدي الحقيقي ليس مطالبة المغترب بإرسال أمواله عبر المصارف، بل بناء نظام مصرفي يجعله يختار القنوات الرسمية عن قناعة. فعندما تصبح التحويلات أسرع وأقل تكلفة وأكثر أمانًا، تتحول من أموال متفرقة إلى مورد يدعم الشمول المالي، وينشط الجهاز المصرفي، ويسهم في إعادة التوازن إلى سوق الصرف.

