“جهاز المغتربين “يتحرك لإنقاذ آلاف السيارات العالقة.. وتوصية لمجلس الوزراء بفترة سماح تجنب السودانيين خسائر بالملايين
-أكثر من 10 آلاف سيارة تنتظر الشحن.. ورسوم إعادة السيارة الواحدة تصل إلى 2500 ريال سعودي
– أكثر من مليون سوداني في الخليج.. مصالح اقتصادية تستوجب الحماية
الدوحة – حسن أبو عرفات – مجلة حواس
أعلن الدكتور عبد الرحمن سيد أحمد، الأمين العام لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج، في تصريحات لمجلة حواس أن الجهاز رفع توصية إلى مجلس الوزراء السوداني تقضي بمنح فترة سماح للمغتربين الذين اشتروا سياراتهم قبل صدور القرار الجديد المنظم لاستيراد السيارات، على أن يبدأ تطبيق الضوابط الجديدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المقترحة، تجنباً لإلحاق أضرار مالية بالمواطنين الذين أكملوا إجراءات الشراء والشحن وفقاً للترتيبات السابقة.
وأعرب الأمين العام عن توقعاته باستجابة مجلس الوزراء للتوصية، بما يتيح للمغتربين فرصة لتوفيق أوضاعهم، ويحول دون تفاقم الأزمة التي أثارها القرار الصادر بصورة مفاجئة، وأحدث حالة من الارتباك في حركة شحن السيارات من الموانئ السعودية إلى السودان.
آلاف السيارات تنتظر مصيرها في ميناء جدة
وتأتي هذه التحركات في أعقاب تداعيات قرار مجلس الوزراء المتعلق بتنظيم استيراد السيارات وتحديد الموديلات المسموح بدخولها إلى البلاد، والذي أثار مخاوف واسعة وسط السودانيين العاملين بدول الخليج، خاصة الذين اشتروا سياراتهم وأكملوا إجراءات تصديرها قبل صدور القرار.
وبحسب مصادر عاملة في قطاع الشحن والتخليص الجمركي، فإن أكثر من 10 آلاف سيارة موجودة بميناء جدة السعودي تنتظر دورها للشحن إلى السودان، بعد استيرادها من أسواق قطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
وأشارت المصادر إلى أن شحنات سيارات كانت مقررة على ثلاث بواخر تأثرت بالإجراءات الجديدة، وسط مخاوف من إعادتها أو تأخير شحنها، الأمر الذي يضاعف الأعباء المالية على أصحابها.
وفي السياق ذاته، كشف مخلص جمركي بميناء سواكن عن وصول الباخرتين «عمان» و«دليلة» يوم السبت، حيث تحمل الأولى 186 سيارة، فيما تحمل الثانية 141 سيارة من مختلف الماركات، بإجمالي 327 سيارة.
خسائر مالية وأعباء إضافية على المغتربين
ووصف مصدر مطلع في قطاع الشحن القرار بأنه مفاجئ وصادم للمغتربين، لا سيما أنه صدر يوم الخميس بعد فترة شهدت استئناف عمليات استيراد السيارات، دون مراعاة الشحنات التي اكتملت إجراءات شرائها أو تلك التي تأخر وصولها نتيجة محدودية الطاقة الاستيعابية وازدحام حركة الشحن بالموانئ.
وأوضح أن إعادة السيارة قد تكلف مالكها نحو 2500 ريال سعودي رسوماً للشحن، بخلاف رسوم الأرضيات والتخزين التي تتزايد مع طول فترة الانتظار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الأعباء المحتملة قد تكون كبيرة، إذ إن تحميل 10 آلاف سيارة رسوماً مماثلة يعني تكلفة نظرية تصل إلى 25 مليون ريال سعودي، دون احتساب رسوم التخزين والمناولة وغيرها من المصروفات. غير أن هذا الرقم يمثل تقديراً افتراضياً لحجم المخاطر المالية، وليس خسائر فعلية مثبتة، إذ يتوقف على عدد السيارات التي ستخضع للإعادة والرسوم المفروضة عليها.
ضوابط جديدة لاستيراد السيارات
وكانت الإدارة العامة للتسهيلات والمعاملات الحكومية والعلاقات العامة بجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج قد أصدرت توضيحات بشأن الاستفادة من الاستثناءات الواردة في قرار مجلس الوزراء رقم 258، مؤكدة استمرار حظر استيراد السيارات المستعملة، مع اعتماد سنة الموديل بدلاً من سنة الصنع معياراً لتحديد عمر السيارة.
وأثارت الضوابط الجديدة تساؤلات بشأن مصير السيارات التي جرى شراؤها وشحنها أو التعاقد على شحنها قبل صدور القرار، ومدى إمكانية إخضاعها لترتيبات انتقالية تراعي الحقوق المالية للمغتربين.
جهاز المغتربين يستأنف نشاطه من الخرطوم
وفي تطور متصل، كشف الدكتور عبد الرحمن سيد أحمد أن جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج انتقل إلى الخرطوم منذ يناير الماضي، واستأنف ممارسة مهامه من العاصمة القومية.
ويأتي ذلك في إطار عودة المؤسسات الحكومية لمباشرة أعمالها من الخرطوم، بما يعزز التواصل المباشر مع الجهات المختصة لمعالجة قضايا السودانيين بالخارج وتسهيل معاملاتهم.
فترة السماح.. ضرورة لحماية حقوق المغتربين
ويرى متابعون أن منح فترة سماح يمثل معالجة عملية للأزمة، شريطة أن يشمل السيارات التي ثبت شراؤها أو التعاقد على شحنها قبل تاريخ سريان القرار، وأن تصدر بشأنه تعليمات واضحة وموحدة إلى الجمارك والجهات العاملة بالموانئ.
كما تبرز أهمية التنسيق بين مجلس الوزراء ووزارة التجارة والتموين وهيئة الجمارك وجهاز المغتربين، لتحديد موقف الشحنات العالقة والإعلان عن الإجراءات التي تضمن عدم تحميل أصحابها تكاليف إضافية نتيجة تغيير الضوابط أثناء عملية الاستيراد.
وتبقى القضية اختباراً لقدرة الجهات المختصة على تحقيق التوازن بين تنظيم سوق السيارات وحماية مصالح السودانيين بالخارج، الذين ينبغي ألا يتحملوا وحدهم كلفة القرارات المفاجئة، خاصة عندما تكون التزاماتهم المالية قد نشأت قبل صدورها.
فالتنظيم الاقتصادي الرشيد لا يقتصر على إصدار الضوابط، وإنما يتطلب أيضاً وضوح الإجراءات، وفترات انتقالية عادلة، وحماية الثقة بين الدولة ومواطنيها في الداخل والخارج
وأوضحت الجمارك أن مراجعة الباخرتين «مونتي إكسبريس» و«الجدارة» أسفرت عن إعادة 136 سيارة لعدم استيفاء مستندات الإنزال والاستيراد، منها 67 سيارة على الأولى و69 سيارة على الثانية. وأكدت أن الإجراءات رقابية اعتيادية وليست موجهة ضد المغتربين.
كما سبق لجهاز المغتربين، في يوليو 2026، تشكيل لجنة لمعالجة تعثر استثناءات السيارات عبر منصة «بلدنا»، بمشاركة ممثلين للجمارك وجهات حكومية أخرى. وهذه خلفية مهمة تؤكد أن صعوبات الإجراءات سبقت الأزمة الحالية.
مصالح اقتصادية تستوجب الحماية
وتكتسب أزمة سيارات المغتربين أبعاداً اقتصادية واجتماعية أوسع بالنظر إلى حجم الوجود السوداني في دول الخليج العربية، حيث تشير تقديرات الهجرة الدولية لعام 2024 إلى وجود نحو 1.13 مليون سوداني في دول مجلس التعاون الخليجي الست، تستضيف المملكة العربية السعودية النسبة الأكبر منهم، تليها الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وسلطنة عمان والبحرين.
وقد ازدادت أهمية هذه الجاليات في ظل الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023، وما صاحبها من انتقال أعداد إضافية من السودانيين إلى دول المنطقة، سواء للعمل أو للالتحاق بأسرهم.
وتمثل الجاليات السودانية بالخليج رافداً مهماً للاقتصاد الوطني من خلال التحويلات المالية ودعم الأسر والإنفاق على السلع والخدمات والاستثمارات الصغيرة، بما في ذلك شراء السيارات وشحنها إلى السودان.
ومن هذا المنطلق، فإن معالجة أزمة السيارات العالقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد استثناء جمركي، بل باعتبارها قضية تمس مصالح شريحة واسعة من السودانيين بالخارج، وتستوجب قرارات انتقالية مدروسة تحفظ حقوق المواطنين وتعزز ثقتهم في المؤسسات الاقتصادية

