*مالك عقار وموقف الدولة: حين تتقدم مصلحة الوطن على حسابات السلطة*
بقلم : لمياء عجب
في زمن تتعدد فيه الولاءات وتتداخل فيه المصالح السياسية والعسكرية تبرز مواقف تستحق التوقف عندها لا لأنها تخلو من الجدل بل لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الدولة وحدود المسؤولية الوطنية والفرق بين القيادة التي تسعى لبناء وطن والقيادة التي تجعل من القوة وسيلة لحماية النفوذ.
في السودان حيث أثقلت الحرب كاهل المواطنين وأضعفت مؤسسات الدولة وفتحت الباب أمام تحديات سياسية وعسكرية معقدة تظل قضية توحيد القوات المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة من أهم القضايا المرتبطة بمستقبل البلاد واستقرارها.
ومن هذا المنطلق يبرز اسم مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي في النقاش حول العلاقة بين الحركات المسلحة والدولة ومفهوم الانتقال من الولاء للتنظيم إلى الالتزام بالمؤسسة الوطنية الجامعة.
*من منطق الحركات إلى منطق الدولة*
لسنوات طويلة ظلت قضية تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة واحدة من أبرز التحديات التي واجهت السودان فقد أفرزت الحروب والاتفاقيات السياسية واقعاً معقداً أصبحت فيه بعض القوى تحتفظ بتشكيلاتها العسكرية وقياداتها المستقلة بالتوازي مع مشاركتها في مؤسسات الحكم.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكون القوة العسكرية وسيلة لحماية الوطن أم أداة لضمان النفوذ السياسي والتفاوض على السلطة؟
إن بناء الدولة الحديثة لا يستقيم بوجود جيوش متعددة لكل منها حساباتها وقراراتها وولاءاتها الخاصة وإنما يقوم على جيش وطني موحد يخضع للقانون والدستور ويؤدي واجبه في حماية البلاد وصون سيادتها بعيداً عن التجاذبات الحزبية والحسابات الشخصية.
فالدولة القوية لا تُبنى بتضخم نفوذ الأفراد والتنظيمات وإنما بترسيخ المؤسسات التي تبقى وتستمر حتى عندما تتغير الحكومات والقيادات.
*مالك عقار.. دلالة الموقف وأهمية الرسالة*
تتمثل أهمية تجربة مالك عقار كما يطرحها أنصاره ومؤيدو هذا التوجه في النظر إلى مسألة دمج القوات ضمن المؤسسة العسكرية باعتبارها خطوة تتجاوز الإجراء العسكري إلى المبدأ السياسي والوطني.
فالقضية ليست مجرد تسليم أسلحة أو تغيير مسميات بل هي إعلان عن طبيعة العلاقة بين القائد والدولة: هل تظل القوة مرتبطة بشخص أو حركة أم تتحول إلى جزء من مؤسسة وطنية جامعة؟
إن الموقف الذي يعطي الأولوية للمؤسسة العسكرية الرسمية على حساب التشكيلات الخاصة يحمل رسالة مهمة وهي أن المشاركة في الحكم ينبغي أن تقترن بتحمل المسؤولية الوطنية وأن العمل السياسي لا ينبغي أن يكون غطاءً للاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة.
وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل الحرب حين تكون البلاد في أمسّ الحاجة إلى توحيد الجهود وتغليب المصلحة العامة والابتعاد عن أي ممارسات من شأنها إضعاف مؤسساتها أو تعميق الانقسامات بين مكوناتها.
ومع ذلك فإن تقييم أي تجربة في هذا المجال يجب أن تستند إلى الوقائع الموثقة ومدى تنفيذ الترتيبات العسكرية على أرض الواقع لا إلى الشعارات أو المواقف المعلنة وحدها.
*الوطنية ليست امتلاك القوة.. بل قبول سلطة الدولة*
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها القوى السياسية والعسكرية أن تتعامل مع السلاح باعتباره ضمانة دائمة للمشاركة في السلطة أو وسيلة للضغط على الدولة كلما اختلفت المصالح أو تعثرت التفاهمات.
فالوطن ليس شركة تتقاسمها الأطراف والحكومة ليست غنيمة تتنافس عليها القوى والجيش ليس ملكية خاصة لأي قائد أو تنظيم.
إن الوطنية الحقيقية تظهر عندما يقبل القائد أن تكون مؤسسات الدولة أعلى من مكانته الشخصية وأن يكون القانون مرجعاً للجميع وأن تخضع القوة العسكرية لقيادة وطنية موحدة لا لموازين النفوذ والمساومات.
كما تظهر الوطنية في القدرة على تقديم التنازلات لمصلحة الاستقرار واحترام حقوق المواطنين والعمل على إنهاء الحروب بدلاً من إبقاء البلاد رهينة للتنافس على السلطة والسلاح.
ومن هنا يجب التأكيد أن هذا المعيار لا ينبغي أن يُطبّق على طرف دون آخر فكل القوى السياسية والحركات المسلحة والتشكيلات العسكرية مطالبة بالمقياس نفسه دون استثناء أو محاباة.
*السودان أكبر من الأشخاص والتنظيمات*
لقد كشفت الحرب أن كلفة الانقسام لا يدفعها القادة وحدهم بل يتحملها المواطن السوداني الذي فقد بيته ومصدر رزقه واضطر إلى النزوح أو اللجوء وأصبح يبحث عن الأمن والكرامة ولقمة العيش.
ومن ثم فإن أي حديث عن الإصلاح السياسي والعسكري يجب أن ينطلق من احتياجات المواطنين لا من حسابات المناصب والنفوذ.
السودان يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء مؤسساته ويعزز سيادة القانون ويضمن خضوع جميع القوات المسلحة لسلطة الدولة ويؤسس لسلام عادل ومستدام يشارك في صناعته السودانيون بمختلف مناطقهم ومكوناتهم.
كما يحتاج إلى قيادة تدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القوات التي يمتلكها كل طرف وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها وتحقيق العدالة وصون الحقوق وتوفير الأمن والاستقرار.
*التاريخ لا يحفظ الشعارات وحدها*
قد تختلف الآراء حول الشخصيات السياسية ومواقفها وقد تتباين التقييمات بشأن تجاربها لكن هناك معياراً وطنياً لا ينبغي الاختلاف عليه: لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة وتضارب الولاءات العسكرية.
وإذا كان موقف دمج القوات والتخلي عن التشكيلات المستقلة يعكس التزاماً حقيقياً بالمؤسسة الوطنية فإن قيمته لا تقف عند حدود صاحبه بل تتحول إلى نموذج ينبغي أن يُحتذى به من كل من يضع مصلحة السودان فوق مصلحته الخاصة.
فالمطلوب ليس تمجيد الأشخاص ولا إدانة الآخرين دون أدلة وإنما ترسيخ مبدأ واضح: (لا جيش فوق الدولة ولا سلاح خارج القانون ولا سلطة تعلو على مصلحة الوطن.)
*الخلاصة*
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الزعامات المتنافسة على امتلاك القوة بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يؤمنون بأن بناء الوطن يبدأ من بناء مؤسساته وأن القيادة الحقيقية ليست في الاحتفاظ بالقوة لأنفسنا بل في تسخيرها لخدمة الشعب وحماية البلاد.
فالأوطان لا تُبنى بتعدد الجيوش ولا تستقر بالمساومات ولا تنهض بالشعارات وحدها بل تُبنى بالإرادة الوطنية ووحدة المؤسسات واحترام القانون وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
*ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به التاريخ كل قائد: ماذا قدمت لوطنك، وماذا تركت من مؤسسات تحميه بعدك؟*

