التضخم أولاً .. معركة السودان من أجل استعادة قيمة الجنيه
بقلم: محمد حمد أبوعول
ليس أخطر ما يواجه المواطن السوداني اليوم أن ترتفع أسعار السلع، بل أن يفقد الجنيه قدرته على شراء احتياجاته الأساسية، وأن يتحول العمل اليومي إلى سباق لا ينتهي بين الدخل وتكاليف المعيشة. فالمواطن الذي كان يستطيع شراء احتياجات أسرته براتب معين، أصبح يجد نفسه مضطراً إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على السلع نفسها، بينما تتراجع قدرته على الادخار، وتتآكل مدخراته، وتتسع المسافة بين دخله واحتياجاته. هذه هي إحدى أكثر النتائج إيلاماً للتضخم، ولذلك ينبغي أن تكون مكافحة التضخم واستعادة القوة الشرائية للجنيه في مقدمة أولويات الحكومة السودانية.
لكن كيف يمكن أن نكافح ظاهرة لا يعرف كثير من المواطنين معناها الاقتصادي، ولا يدركون كيف تنشأ، ولماذا تستمر، وما الذي يمكن أن يفعلوه للمساهمة في الحد منها؟
التضخم، ببساطة، هو الارتفاع المستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية، بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود. فإذا ارتفع سعر سلعة واحدة بسبب ندرتها أو تلف محصولها، فليس ذلك بالضرورة تضخماًِ عاماً أما عندما ترتفع أسعار مجموعات واسعة من السلع والخدمات بصورة متواصلة، فإننا نكون أمام ظاهرة تضخمية تؤثر في الاقتصاد بأكمله.
ومن المهم هنا التمييز بين ارتفاع الأسعار والتضخم. فإذا ارتفعت الأسعار بنسبة 40% خلال عام، فهذا يعني أن تكلفة سلة السلع والخدمات التي يقيسها المؤشر أصبحت أعلى بنسبة 40% مقارنة بالفترة المرجعية. وإذا انخفض معدل التضخم لاحقًا إلى 15%، فهذا لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة، بل يعني أنها لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ. انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يعني تباطؤ ارتفاعها أما انخفاض الأسعار نفسها فيسمى انكماشاً سعرياً. وهذا الفرق ضروري حتى لا يُقدم تباطؤ الغلاء باعتباره استعادةً لما فقده المواطن من قوة شرائية.؛
وللتضخم أسباب وأنواع متعددة، وفهمها هو الخطوة الأولى نحو اختيار العلاج الصحيح.
هناك أولاً التضخم النقدي، الذي يحدث عندما تنمو كمية النقود المتداولة بوتيرة تتجاوز نمو الإنتاج الحقيقي، خصوصاً عندما تلجأ الحكومة إلى تمويل عجز الموازنة بإصدار نقود جديدة دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات. فالنقود ليست ثروة في حد ذاتها وإنما تستمد قيمتها من قدرتها على شراء ما ينتجه الاقتصاد. وعندما تتزايد النقود بينما يتراجع الإنتاج، تتعرض القوة الشرائية للعملة للانخفاض.
وهناك ثانياً تضخم الطلب، ويحدث عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على توفير السلع والخدمات. ففي هذه الحالة يتنافس المشترون على معروض محدود، فترتفع الأسعار. وقد يتغذى هذا النوع على الإنفاق العام غير المنضبط أو التوسع الائتماني أو الزيادة الكبيرة في الطلب دون توسع مماثل في الإنتاج.
أما النوع الثالث فهو تضخم التكاليف، وينشأ عندما ترتفع تكلفة الإنتاج أو النقل أو الوقود أو المواد الخام أو الاستيراد، فينقل المنتجون والتجار جزءاً من هذه الزيادة إلى المستهلك. وهذا النوع مهم في السودان، حيث أدت الحرب وتعطل الطرق واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل إلى ضغوط مباشرة على أسعار السلع.
ويبرز كذلك التضخم المستورد، عندما ترتفع تكلفة السلع المستوردة أو تتراجع قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، فتصبح الواردات أغلى بالجنيه السوداني. ولا يقتصر أثر ذلك على السلع المستوردة مباشرة؛ فقد ترتفع أيضاً تكلفة الإنتاج المحلي إذا اعتمد على مدخلات مستوردة.
وهناك أخيراً التضخم المدفوع بالتوقعات، وهو من أخطر الأنواع في الاقتصادات التي اعتادت ارتفاع الأسعار. فعندما يتوقع التاجر ارتفاع تكلفة الاستبدال، قد يرفع سعر السلعة الموجودة لديه قبل أن ترتفع تكلفتها الفعلية. وعندما يخشى المستهلك زيادة جديدة، قد يسارع إلى الشراء، بينما يسعّر المنتج والمورد حساباتهما على أساس توقعات مستقبلية. وهكذا يتحول الخوف من التضخم إلى عامل يساعد على استمراره.
وفي السودان، لا يمكن تفسير الأزمة بنوع واحد من هذه الأنواع فالحرب أضعفت جانب العرض، وتراجع الإنتاج حدّ من توافر السلع، واضطراب التجارة والنقل رفع التكاليف، فيما أسهم تدهور سعر الصرف واختلالات المالية العامة والنمو النقدي في تعميق الضغوط. وقد أشار البنك الدولي إلى أن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالزراعة وسلاسل الإمداد، وأن انهيار الإيرادات الحكومية قيّد قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.
لهذا فإن مكافحة التضخم لا يمكن أن تقوم على إجراء واحد، ولا على مطالبة التجار بخفض الأسعار، ولا على إصدار قرارات إدارية بتحديدها دون معالجة أسباب ارتفاعها. العلاج الناجح يبدأ بتشخيص مصدر التضخم، ثم استخدام الأدوات المناسبة لكل سبب.
أول ما ينبغي على الحكومة فعله هو ضبط العلاقة بين الإنفاق العام والإيرادات الحقيقية. فالعجز المالي المستمر، إذا جرى تمويله بالتوسع النقدي، قد يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة. والمطلوب هو تحسين تحصيل الإيرادات، ومراجعة أولويات الإنفاق، وإغلاق منافذ التسرب المالي، ومنع التحصيل خارج القنوات الرسمية، مع حماية الإنفاق الضروري على الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وثانياً، تحتاج الدولة إلى تنسيق حقيقي بين السياسة المالية والسياسة النقدية، بحيث لا تُترك مهمة استقرار الأسعار للبنك المركزي بينما تفرض الموازنة عليه ضغوطاً متواصلة لتمويل العجز. وينبغي إدارة السيولة وفق احتياجات النشاط الاقتصادي، والحد من التمويل النقدي غير المستدام، وتعزيز الثقة في النظام المصرفي، والعمل على تقليص الفجوة بين أسعار الصرف المختلفة عبر سياسات واقعية تعالج أسباب نقص النقد الأجنبي، لا بمجرد إعلان سعر رسمي لا يعكس ظروف السوق.
وثالثاً ، لا يمكن مكافحة التضخم في السودان دون زيادة الإنتاج. فخفض الطلب وحده في اقتصاد يعاني نقص الغذاء والوقود والسلع قد يفاقم معاناة المواطنين دون أن يعالج اختناقات العرض. لذلك ينبغي دعم المزارعين بمدخلات الإنتاج والتمويل، وتأهيل الطرق ومرافق التخزين، وتسهيل نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، ودعم الصناعات التحويلية، وتحسين انسياب السلع بين الولايات. كما يجب إزالة الرسوم غير القانونية وتعدد الجبايات التي ترفع تكلفة انتقال السلعة من المنتج إلى المستهلك.
ورابعاً، تحتاج الأسواق إلى رقابة اقتصادية فعالة تقوم على البيانات لا على التخمين. فالحكومة مطالبة بنشر مؤشرات دورية واضحة لأسعار السلع الأساسية، ومراقبة تكاليف الاستيراد والنقل وهوامش التوزيع، ومكافحة الاحتكار والتخزين المتعمد والتلاعب بالفواتير. وإذا ثبت وجود زيادات غير مبررة أو ممارسات احتكارية، فيجب تطبيق القانون بشفافية على الجميع، دون أن تتحول الرقابة إلى تسعير عشوائي يثبط الإنتاج أو يؤدي إلى اختفاء السلع من الأسواق.
لكن الحكومة وحدها لا تستطيع النجاح ما لم يتحول المواطن من متلقٍ للقرارات إلى شريك واعٍ في مكافحة التضخم. وهنا يأتي دور التوعية الاقتصادية المبسطة. فمن المهم أن يفهم المواطن أن تخزين السلع بكميات تفوق حاجته خوفاً من ارتفاع الأسعار قد يزيد النقص ويرفع الأسعار على الجميع، وأن نشر الشائعات عن الدولار والسلع قد يغذي التوقعات التضخمية، وأن مقارنة الأسعار والإبلاغ عن الاحتكار والامتناع عن الشراء من المصادر التي تستغل الندرة، متى توفرت البدائل، يمكن أن تعزز المنافسة وتحد من بعض الممارسات الضارة.
كما ينبغي تشجيع الشراء من المنتج المحلي متى كان متاحاً بجودة وسعر مناسبين، وتقليل الهدر في الغذاء والطاقة، وتطوير جمعيات المستهلكين والتعاونيات الشرائية، وإتاحة قنوات موثوقة للإبلاغ عن المخالفات. ولا يعني ذلك تحميل المواطن مسئولية أزمة لم يصنعها بل تمكينه من حماية نفسه والمساهمة في الحد من آثارها، بالتوازي مع مسئولية الدولة الأساسية عن إدارة الاقتصاد.
والأهم أن تضع الحكومة هدفاً معلناً لمكافحة التضخم، تدعمه خطة تنفيذية بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل تطور أسعار الغذاء والنقل، واستقرار سعر الصرف، ونمو الإنتاج، وحجم التمويل النقدي للعجز، وانتظام الإمدادات. وينبغي نشر نتائج هذه المؤشرات بانتظام حتى يعرف المواطن ما تحقق وما تعثر، ويصبح النقاش الاقتصادي قائماً على الأرقام والحقائق بدل الشائعات والتوقعات.
إن مكافحة التضخم ليست مهمة فنية تخص خبراء الاقتصاد وحدهم، بل قضية تمس العدالة الاجتماعية والاستقرار الأسري والثقة في الدولة ومستقبل الإنتاج. فالتضخم المرتفع يعاقب أصحاب الدخول الثابتة، ويبدد المدخرات، ويشجع المضاربة على حساب الاستثمار المنتج، ويجعل التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة.
وعليه، فإن الأولوية ليست إعلان زيادة جديدة في المرتبات أو إصدار قرار مؤقت بخفض بعض الأسعار، بل بناء سياسة متكاملة توقف مسببات التضخم وتستعيد الثقة في الجنيه وتوسع الإنتاج وتحمي المنافسة. فالمواطن لا يحتاج إلى أرقام أكبر في راتبه بقدر حاجته إلى أسعار أكثر استقراراً ودخل يحتفظ بقيمته. والمعيار الحقيقي لنجاح الحكومة ياتي بمقدار ما تستعيده النقود من قوة شرائية، وما يشعر به المواطن من تحسن ملموس في قدرته على توفير احتياجات أسرته.

