عبد الله بن حمد العطية.. رجلٌ صنع تاريخ الطاقة في قطر، ورحَل تاركاً إرثاً من الإنجازات
الدوحةًحسن ابوعرفات مجلة حواس
رحم الله سعادة عبد الله بن حمد العطية، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة الأسبق، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة عبد الله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة، الذي رحل عن دنيانا في مايو 2026، تاركاً بصمة راسخة في مسيرة التنمية الاقتصادية وصناعة الطاقة في دولة قطر.
تجمعني بهذه الصورة ذكرى عزيزة تعود إلى نحو أربع سنوات، خلال اجتماع مجلس أمناء المؤسسة في الدوحة، حيث أتيحت لي فرصة اللقاء برجل لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة، بل كان أحد أبرز مهندسي النهضة التي شهدها هذا القطاع، وأحد الذين أسهموا في وضع قطر على خريطة الطاقة العالمية.
منذ توليه وزارة الطاقة والصناعة ورئاسة قطر للبترول عام 1992، قاد العطية مرحلة مفصلية في تاريخ الصناعة النفطية والغازية القطرية، وأسهم في دفع مشروع الغاز الطبيعي المسال نحو العالمية، مستنداً إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى وإيمان بقدرة الثروة الغازية على بناء اقتصاد قوي ومستدام. ومع تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال عبر ميناء رأس لفان في أواخر عام 1997، بدأت ملامح التحول الكبير الذي جعل قطر واحدة من القوى المؤثرة في أسواق الغاز العالمية.
وكانت مدينة رأس لفان الصناعية شاهداً على هذا التحول التاريخي؛ فمن خلالها تشكّلت منظومة متكاملة لصناعة الغاز الطبيعي المسال، بما شملته من منشآت إنتاج ومعالجة وتصدير وبنية تحتية متطورة، لتصبح نموذجاً لقدرة الرؤية الاستراتيجية والاستثمار طويل الأجل على تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية عالمية.
ولم تقتصر إسهامات الراحل على تطوير صناعة النفط والغاز، بل امتدت إلى تعزيز الحوار الدولي حول أمن الطاقة والتنمية المستدامة والتغير المناخي. فقد ترأس مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP18 الذي استضافته الدوحة عام 2012، كما تولى رئاسة منتدى الدول المصدرة للغاز، وأسهم في ترسيخ مكانة قطر في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل الطاقة.
وكان العطية من المؤمنين بأهمية الغاز الطبيعي بوصفه وقوداً انتقالياً يدعم التحول نحو اقتصاد أقل انبعاثاً، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات ومتطلبات التنمية وحماية البيئة. وفي عام 2015، أُنشئت المؤسسة الدولية للطاقة والتنمية المستدامة باسمه، لتواصل بناء المعرفة وتعزيز الحوار حول قضايا الطاقة والاستدامة.
أما بالنسبة لي، فإن هذه المسيرة ليست مجرد تاريخ أقرأه أو أكتبه، بل تجربة عشت جانباً مهماً منها شاهداً ومتابعاً. فعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً، كنت حاضراً في تغطية فعاليات قطاع الطاقة القطري ومؤتمراته داخل الدولة وخارجها، وتابعت عن قرب مراحل تطور هذه الصناعة، من التحولات الكبرى في قطاع النفط والغاز إلى صعود صناعة الغاز الطبيعي المسال وتعاظم الحضور القطري في أسواق الطاقة الدولية.
لقد منحتني هذه التجربة فرصة ثمينة لمعايشة مرحلة استثنائية من تاريخ الاقتصاد القطري، ومتابعة جهود رجال أسهموا في تحويل الرؤى الاستراتيجية إلى مشروعات وإنجازات ملموسة، وكان عبد الله بن حمد العطية في مقدمة هؤلاء.
رحل الرجل، لكن إرثه باقٍ في مؤسسات الطاقة، وفي مكانة قطر العالمية، وفي ذاكرة كل من عاصر تلك التحولات الكبرى.
رحم الله أبا حمد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خيراً عما قدم لوطنه ولقطاع الطاقة والتنمية المستدامة.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

