ملتقى الأمل الاستراتيجي.. 35 منظومة لإعمار السودان، والتحدي الأكبر هو التمويل والتنفيذ
– ملتقى الأمل الاستراتيجي محطة مهمة في مسار التخطيط لمستقبل السودان، وتوفر الخطة الخمسية إطاراً يمكن البناء عليه
– لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار السودان دون وضع قضية التمويل في مقدمة الأولويات
-نجاح الخطة الخمسية يتطلب تنويع مصادر التمويل، وعدم تحميل الموازنة العامة أعباءً تفوق قدرتها.
– نجاح الخطة الخمسية يعتمد على توافر خمسة شروط أساسية
– الأمل الحقيقي لا تصنعه الخطط وحدها، وإنما تصنعه القدرة على تنفيذها، والشفافية في إدارة مواردها،
حسن أبو عرفات من الدوحة
في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه القدرات الإنتاجية، وتضررت بنيته التحتية ومؤسساته الخدمية، يصبح التخطيط الاستراتيجي ضرورة وطنية تتجاوز إعداد الوثائق وإجازة البرامج إلى تحديد أولويات التعافي، وحشد الموارد، واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين في مستقبل الاقتصاد السوداني.
من هنا تبرز أهمية ملتقى الأمل الاستراتيجي، الذي انعقد بالخرطوم خلال الفترة من 9 إلى 11 أكتوبر الجاري، برعاية وتشريف رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، واختتم أعماله بإجازة الخطة الاستراتيجية الخمسية لحكومة الأمل للفترة 2027–2031.
وبحسب ما أوردته وكالة السودان للأنباء، تتضمن الخطة 35 منظومة من المشروعات المتكاملة، فيما حُددت نحو 13 منظومة لتكون أولوية ضمن استراتيجية العام 2027. وهذه خطوة تستحق الاهتمام، لأنها تضع الحكومة أمام استحقاق الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ وفق أولويات محددة.
لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يرافق هذه الخطوة هو: كيف يمكن تحويل الأمل إلى برنامج اقتصادي قابل للتمويل والتنفيذ والقياس، في ظل الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها السودان؟
اقتصاد يواجه تحديات غير مسبوقة
تكشف المؤشرات الاقتصادية عن حجم التحدي الذي تواجهه الخطة الخمسية. فوفقاً لبيانات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان بنحو 29.4% في عام 2023، ثم تراجع بنسبة 14% أخرى في عام 2024، بينما قُدّر النمو بنحو 3.1% في عام 2025، في ظل تعافٍ جزئي من قاعدة إنتاجية متضررة بشدة.
كما تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 إلى أقل من 5% خلال عامي 2024 و2025، وهو ما يحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية ومشروعات إعادة الإعمار. وقدّر البنك الدولي ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون في الفقر المدقع من 48% في عام 2023 إلى 59% في عام 2025.
أما على الصعيد الإنساني، فأشار البنك الدولي إلى أن نحو 11.64 مليون شخص تعرضوا للنزوح القسري داخل السودان وخارجه حتى 16 مارس 2026، فيما يواجه 21.2 مليون شخص، أي نحو 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد خلفية إحصائية للملتقى، بل تحدد طبيعة المهمة التي تنتظر الخطة الخمسية: إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة الخدمات، وخلق فرص العمل، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
وتؤكد هذه المؤشرات أن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمجرد استعادة النشاط الإداري في المدن، وإنما يحتاج إلى إعادة تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية، وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، وإعادة بناء المؤسسات الصحية والتعليمية، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي والقطاع الخاص.
35 منظومة.. كيف تتحول إلى نتائج ملموسة؟
تتمثل إحدى النقاط المهمة في مخرجات الملتقى في اعتماد 35 منظومة متكاملة، وتحديد نحو 13 منها لتكون أولوية في عام 2027.
غير أن قيمة هذه المنظومات لن تتحدد بعددها، وإنما بوضوح أهدافها وموازناتها ومصادر تمويلها، وبمدى قدرتها على معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوداني.
ومن الضروري، في هذا السياق، أن تتوافر لكل منظومة بطاقة تنفيذية تتضمن تكلفة المشروع، ومصدر التمويل، والجهة المسؤولة، والجدول الزمني، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية المستهدفة.
فمشروع إعادة تأهيل محطة كهرباء، مثلاً، لا ينبغي تقييمه فقط بنسبة الإنجاز الإنشائي، بل أيضاً بقدرته على زيادة ساعات الإمداد، وخفض تكلفة الإنتاج، وإعادة تشغيل المصانع والمرافق الخدمية.
ومشروع تأهيل الأراضي الزراعية ينبغي قياس أثره بمساحة الأراضي المستزرعة فعلياً، وحجم الإنتاج، والإنتاجية للفدان، وعدد فرص العمل، وحجم الصادرات أو الواردات الغذائية التي يمكن الاستغناء عنها.
وبالمثل، لا يكفي الإعلان عن مشروعات صحية وتعليمية دون تحديد عدد المرافق التي ستعود إلى الخدمة، والكوادر التي ستُستوعب، والمواطنين الذين ستصل إليهم الخدمات.
إن الانتقال من المؤشرات الإدارية إلى مؤشرات الأثر الاقتصادي هو ما يمنح الاستراتيجية مصداقيتها أمام الرأي العام.
التمويل.. الحلقة الأصعب في معادلة الإعمار
لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار السودان دون وضع قضية التمويل في مقدمة الأولويات. فالدولة التي تراجعت إيراداتها العامة إلى أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي لا تستطيع، بالموارد المحلية وحدها، تحمل جميع أعباء إعادة الإعمار وتوفير الخدمات واستعادة النشاط الإنتاجي.
ولهذا، فإن نجاح الخطة الخمسية يتطلب تنويع مصادر التمويل، وعدم تحميل الموازنة العامة أعباءً تفوق قدرتها.
ويشمل ذلك تعزيز الإيرادات العامة عبر مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وإحكام الرقابة على المال العام، إلى جانب استقطاب الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية.
كما ينبغي الاستفادة من التمويل التنموي والشراكات مع المؤسسات الإقليمية والدولية، والعمل على تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف مسار تخفيف أعباء الديون الخارجية، وفق المتطلبات والإجراءات المعمول بها دولياً.
ولا بد من التمييز بين المنح الإنسانية المخصصة لإغاثة المتضررين، والتمويل التنموي طويل الأجل، والاستثمار التجاري الذي يبحث عن عائد اقتصادي. فلكل منها أهدافه وشروطه، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مصدراً واحداً للتمويل.
والأهم أن تعلن الحكومة إطاراً مالياً واضحاً للخطة، يحدد التكلفة التقديرية لكل منظومة، والموارد المتاحة، والفجوة التمويلية، والجهات التي ستُخاطب للمساهمة في سدها.
ومن دون هذه المعلومات، ستظل الخطة إطاراً طموحاً، لكن قدرتها على التحول إلى مشروعات واقعية ستبقى غير واضحة.
الزراعة والصناعة.. مدخل التعافي المستدام
يمتلك السودان موارد زراعية وحيوانية ومعدنية كبيرة، لكن تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية مضافة يحتاج إلى سياسات إنتاجية متكاملة، وليس الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
فالزراعة يجب أن تكون في صدارة برنامج التعافي، من خلال توفير التمويل للمزارعين، وإعادة تأهيل مشروعات الري، وتوفير المدخلات الزراعية، وتحسين خدمات النقل والتخزين والتسويق، وتشجيع الصناعات الغذائية.
ويمكن أن تسهم هذه السياسات في تعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتوفير المواد الخام للصناعة المحلية.
أما قطاع التعدين، وفي مقدمته الذهب، فيحتاج إلى تطوير قنوات الإنتاج والتسويق الرسمية، وتحسين الرقابة والشفافية، وتعظيم العائد الذي يدخل إلى الخزانة العامة، مع تشجيع التصنيع المحلي المرتبط بالموارد المعدنية حيثما كان ذلك مجدياً اقتصادياً.
وفي قطاع الصناعة، ينبغي أن تتجه الأولويات نحو إعادة تشغيل المنشآت القابلة للتأهيل، وتوفير الطاقة، وتسهيل حصول القطاع الخاص على التمويل، وإزالة العقبات أمام حركة السلع والخدمات بين الولايات.
إن المطلوب هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد الخام إلى اقتصاد ينتج ويصنّع ويضيف قيمة، بما يوسع فرص العمل ويعزز الإيرادات العامة والنقد الأجنبي.
الاستثمار يحتاج إلى ضمانات لا إلى خرائط فقط
أكدت توصيات الملتقى أهمية تهيئة بيئة الاستثمار، وإعداد خارطة استثمارية، وتعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.
وهذه توجهات مهمة، لكنها تتطلب إجراءات عملية تجعل السودان وجهة قابلة للاستثمار في ظل المخاطر الحالية.
فالمستثمر يحتاج إلى وضوح القوانين والإجراءات، واستقرار السياسات، وضمان حقوق الملكية والعقود، وإمكان تحويل الأرباح وفق القواعد المعمول بها، فضلاً عن توافر الأمن والبنية التحتية والبيانات الموثوقة.
ومن المهم إعداد قاعدة بيانات للمشروعات الجاهزة للاستثمار، تتضمن دراسات الجدوى، والتكاليف التقديرية، ومصادر الإيرادات، واحتياجات البنية التحتية، والمخاطر المحتملة، والضمانات المتاحة.
كما يمكن تطوير آليات للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات الكهرباء والمياه والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية، مع توزيع المخاطر بصورة عادلة وشفافة.
ولا ينبغي قياس نجاح السياسة الاستثمارية بعدد المؤتمرات أو الاتفاقيات المعلنة، بل بحجم الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، والأموال التي ضُخت فعلياً، والمشروعات التي بدأت الإنتاج، والوظائف التي أُنشئت.
المتابعة الرقمية والشفافية.. من يراقب التنفيذ؟
من بين مخرجات الملتقى التوجه نحو تطوير المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي، وإنشاء معهد قومي للاستراتيجية، واستحداث هيئة وطنية عليا للمتابعة الرقمية.
ويمكن أن تمثل هذه الآليات نقلة مهمة في إدارة العمل الحكومي، إذا جرى تحديد اختصاصاتها بوضوح، وربطها بمؤشرات أداء معلنة، وتوفير البيانات اللازمة لتقييم التنفيذ.
فالمتابعة الرقمية ليست مجرد منصة إلكترونية تعرض نسب الإنجاز، بل منظومة تتيح مقارنة المخطط بالمتحقق، ورصد الانحرافات، وتحديد أسباب التأخير، واتخاذ الإجراءات التصحيحية في الوقت المناسب.
كما أن الشفافية تقتضي نشر تقارير دورية تتضمن حجم الإنفاق، ومعدلات التنفيذ، ومصادر التمويل، والعقبات التي تواجه المشروعات.
ومن المهم كذلك إخضاع المشروعات الكبرى لمراجعة مالية وفنية مستقلة، بما يعزز الثقة ويحد من الهدر والتجاوزات.
وقد أكد الملتقى أهمية سيادة القانون والعدالة والشفافية وإتاحة المعلومات الموثوقة. والتحدي الآن هو تحويل هذه المبادئ إلى قواعد إجرائية ملزمة، يشعر المواطن بأثرها في إدارة المال العام وتقديم الخدمات.
الإنسان هو المقياس الحقيقي للنجاح
لا تكتمل استراتيجية إعادة الإعمار من دون الاستثمار في رأس المال البشري، وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية، وتوسيع فرص التدريب والتوظيف، والاهتمام بالشباب والمرأة.
فالحرب لا تدمر المباني والبنية التحتية فحسب، بل تترك آثاراً عميقة على الأسر، والتعليم، والصحة، والمهارات المهنية، والقدرة على العمل والإنتاج.
ولهذا، ينبغي أن تتضمن الخطة برامج واضحة لإعادة دمج المتضررين في النشاط الاقتصادي، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوفير التمويل والتدريب، وتحسين فرص حصول الشباب على الوظائف.
كما أن التعافي الاجتماعي ورتق النسيج الوطني عنصران أساسيان لنجاح التنمية؛ إذ لا يمكن لمشروعات الاستثمار أن تحقق كامل إمكاناتها في بيئة تتواصل فيها النزاعات والانقسامات وانعدام الثقة.
إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تعني فقط عودة المؤسسات إلى مقارها، وإنما استعادة قدرة المواطن على العمل والإنتاج والحصول على التعليم والعلاج والمياه والكهرباء بانتظام.
من الخطة إلى التنفيذ
يمثل ملتقى الأمل الاستراتيجي محطة مهمة في مسار التخطيط لمستقبل السودان، وتوفر الخطة الخمسية إطاراً يمكن البناء عليه لتنسيق الجهود الحكومية وتحديد الأولويات.
لكن نجاحها سيعتمد على توافر خمسة شروط أساسية:
أولاً، تحديد تكلفة كل منظومة ومصادر تمويلها والفجوة المالية التي ينبغي سدها.
ثانياً، ترتيب الأولويات وفق الأثر الاقتصادي والاجتماعي، مع إعطاء الخدمات الأساسية والقطاعات الإنتاجية ما تستحقه من اهتمام.
ثالثاً، وضع جداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ونشر تقارير دورية عن التقدم المحرز.
رابعاً، توفير بيئة جاذبة للاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإحكام الرقابة على المال العام.
خامساً، ربط نتائج الخطة بتحسن ملموس في حياة المواطنين، من خلال الخدمات وفرص العمل والإنتاج واستقرار الأسعار.
إن السودان لا تنقصه الموارد أو الكفاءات القادرة على وضع الخطط، لكن التحدي التاريخي يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى مؤسسات فعالة ومشروعات منتجة ونتائج قابلة للقياس.
فالأمل الحقيقي لا تصنعه الخطط وحدها، وإنما تصنعه القدرة على تنفيذها، والشفافية في إدارة مواردها، والعدالة في توزيع ثمارها. وستكون السنوات الخمس المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحويل مخرجات ملتقى الأمل الاستراتيجي إلى مسار وطني للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

