*سياسات المركزي 2026.. هل يصبح التمويل رافعة لإعمار ما دمرته الحرب؟*
*تقرير : مجلة حواس*
بعد حرب خلّفت دماراً واسعاً في المساكن والمصانع والمرافق وشبكات الخدمات، يبرز سؤال جوهري في المشهد الاقتصادي السوداني: من يمول إعادة البناء، وبأي شروط، وفي أي بيئة اقتصادية؟
تحاول سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 الإجابة على هذا السؤال عبر مسارين متكاملين.
المسار الأول مباشر، ويتمثل في توجيه التمويل المصرفي نحو مشروعات الإعمار الحقيقية. ووفقاً للسياسات الجديدة، تم تحديد أولويات التمويل في القطاعات التي تعيد تشغيل عجلة الاقتصاد، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والإسكان والخدمات الأساسية، مع وضع سقوف وأنصبة تمويلية تضمن وصول الأموال إلى هذه القطاعات، مع مراعاة الموازنة بين حجم التمويل وقدرة المستفيد على السداد، ليصبح التمويل أداة للإنتاج لا عبئاً عليه.
وتنحاز السياسات بشكل واضح إلى صيغ التمويل الإسلامي القائمة على النشاط الحقيقي، مثل المشاركة والمضاربة والسلم والاستصناع والمرابحة. ويرى خبراء أن هذه الصيغ أكثر ملاءمة لاقتصاد خارج من الحرب، لأنها تربط المال بالسلعة والمشروع وتوزع المخاطر بين الممول والممول، بدلاً من تحميل العبء كاملاً على المقترض.
وفي لفتة اقتصادية مهمة، أولت السياسات اهتماماً خاصاً بالتمويل الأصغر والمتوسط، انطلاقاً من قناعة بأن الإعمار الذي يبدأ من القاعدة، من الأسرة المنتجة والحرفي والمزارع وصاحب المشروع الصغير، أسرع أثراً في الدخل والتشغيل من انتظار المشروعات الكبرى، مع التأكيد على ضرورة تيسير الضمانات للمتأثرين الذين فقدوا مستنداتهم وأصولهم.
*التمويل وحده لا يكفي*
أهم ما يميز سياسات 2026، بحسب قراءة تحليلية، أنها لا تكتفي بفتح باب التمويل، بل تعمل على تهيئة البيئة التي يقوم عليها نجاحه، وذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية:
*أولاً: المتأثرون بالحرب والمجتمعات المحلية:* وتشمل تبسيط إجراءات فتح الحسابات للنازحين والعائدين، وإعادة توثيق الحسابات المفقودة، وتوسيع الشمول المالي عبر الصيرفة الإلكترونية والفروع المتنقلة والوكلاء، بالإضافة إلى معالجات مرنة للمتعثرين بسبب الحرب تحفظ حقوق المصارف وتخفف العبء عن العملاء.
*ثانياً: الجهاز المصرفي:* فالمصارف المنهكة لا تستطيع تمويل إعمار شامل. لذلك تركز السياسات على كفاية رأس المال وسلامة المراكز المالية، واستعادة الحضور المصرفي في الولايات المتأثرة، وتحديث نظم الدفع والتحويل، وتعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر.
*ثالثاً: استقرار الاقتصاد الكلي:* وتتناول السياسات استقرار الأسعار وسعر الصرف، وترشيد النقد الأجنبي، وتشجيع الصادرات وتحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، وضبط السيولة وتعبئة المدخرات المحلية واجتذاب الاستثمار الخارجي.
*أربعة اختبارات للنجاح*
ورغم أن الورقة ترسم اتجاهاً سليماً، إلا أن الحكم الحقيقي عليها سيكون بنتائجها على الأرض، وتحدد القراءة أربعة اختبارات مفصلية:
*1. التوازن بين التوجيه والاستدامة:* فالسقوف التمويلية وسيلة لتوجيه الموارد، لكن المصارف لن تمول إلا ما تثق بقدرته على السداد. والمطلوب أن تكون الأنصبة مقرونة بمنظومة ضمان وتخفيف مخاطر تجعل الإقراض مجدياً للمصرف لا عبئاً عليه.
*2. العلاقة بين التمويل والتضخم:* فضخ التمويل في اقتصاد طاقته الإنتاجية متضررة قد يرفع الأسعار بدلاً من أن يرفع الإنتاج. وهو ما أقرت به السياسات حين تحدثت عن ضرورة الموازنة بين دعم النشاط واحتواء التضخم.
*3. ملف سعر الصرف:* تقر السياسات بأن التقلب الحاد في سعر الصرف يقوض جدوى المشروعات ويضعف الثقة، وعبارة “بقدر ما تسمح به الظروف” كانت صريحة في هذا السياق. وسيتحدد الكثير بقدرة المركزي على كسب موارد النقد الأجنبي وتوجيهها عبر القنوات الرسمية.
*4. من النص إلى التطبيق:* فالنصوص وحدها لا تعيد بناء مصنع. والمطلوب أن تتحول هذه السياسات إلى إجراءات تصل فعلياً إلى المزارع والحرفي في الولايات المتأثرة، وأن تُقاس نتائجها بمؤشرات معلنة، كحجم التمويل الموجه للقطاعات وعدد المستفيدين من التمويل الأصغر ومعدلات التعثر وعودة الفروع للعمل.
وتخلص القراءة إلى أن سياسات 2026 تتعامل مع الإعمار بوصفه منظومة متكاملة تضم ممولاً قادراً ومستفيداً قادراً واقتصاداً مستقراً، لا مجرد تمويل لمشروعات. وهي قراءة صحيحة للمرحلة، يبقى ما ينقصها هو ما سيظهر في التطبيق: وضوح المؤشرات، والتنسيق مع السياسة المالية والجهات الحكومية، والشراكة الفعلية مع القطاع الخاص والمصارف. فالمركزي يستطيع أن يهيئ البيئة ويفتح قنوات التمويل، لكن الإعمار تصنعه الدولة والمصارف والقطاع الخاص والمجتمع معاً.

