الحرب والفقر: جدلية الخراب والتكيف والتحول الإنساني بروفسور حسن موسى يوسف
يكتب بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر والذي يحتفل به كل عام في يوم 17 اكتوبر .
تتجسد قسوة التاريخ الإنساني أحياناً في أعقد صورها عندما تتقاطع نيران الحرب مع مخالب الفقر لتشكل معاً معادلة جهنمية وقاسية تختبر قدرة الشعوب على الاحتمال والبقاء. وفي ظل هذه القسوة، نجد من السهل على الإنسان العادي، وهو ينشد بفطرته الاستقرار والأمان في حياته، أن ينظر إلى الحرب والفقر كعنصرين مزدوجين مدمرين بشكل مطلق للحياة والاستقرار، ولا ينتج عنهما سوى البؤس والدمار.
وبهذا التصور العاطفي المبسط، يمكننا أن نستنتج أن المجتمعات في السودان لا يمكنها البدء في صناعة مستقبلها أو بناء نهضتها إلا بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتتوقف فوهات المدافع والطيارات المسيرة تماماً، وتتوجه الدولة بكل طاقاتها نحو التنمية ومحاربة الفقر وتنظيم قدراتها العسكرية للأمن والسلم. وإذا كانت الطبيعة قد زودت الكائنات الحية بآليات دفاعية غريزية تحميها من الفناء، فإن الشعوب المنكوبة بالنزاعات المسلحة والفقر تبتكر بدورها “فلسفات للبقاء” وتضامن مجتمعي تواجه بها أتون الدمار والجوع.
لكن العودة إلى التاريخ الإنساني وقراءة علم الاجتماع السياسي والاقتصادي تكشف لنا أن العلاقة بين الحرب والفقر أعمق وأكثر تعقيداً مما يتصور الإنسان العادي؛ فهما ليس مجرد “كوارث” تطرأ على المجتمع وتتواصل آثارها في المستقبل، بل هما محركان هيكليان يعيدان تشكيل طبيعة الدولة والمجتمعات، وحتى السلوك البشري نفسه. وفي قلب هذا التاريخ، تبرز تجربة السودان كواحدة من أكثر التجارب تعقيداً ومرارة في العصر الحديث، حيث تداخلت الأزمات الهيكلية والحروب الممتدة، لتضع ملايين البشر أمام اختبار يومي قاسٍ من أجل البقاء.
إن العلاقة بين الحرب والفقر في السودان ليست سببية بنتيجة في اتجاه واحد، بل هي دائرة مغلقة ومتفاعلة. لقد اتسعت فجوة الانتاج والتفاوت الاقتصادي، وفي ظل النمو السريع للقوى القادرة على العمل والإنتاج بمعدل 4.5% سنوياً مع انعدام فرص العمل خاصة للشباب، أصبحت المجتمعات أرضاً خصبة للاستقطاب السياسي والأنشطة الاقتصادية العشوائية والاضطرابات المجتمعية والامنية. كما سهل الحرمان النسبي والشعور بالتهميش تجنيد الشباب للاشتراك في النزاع المسلح وفي تعاطي المخدرات والتخطيط لزعزعة المجتمع عن طريق ارتكاب شتى أنواع الجرائم.
وبقدر ما أن الفقر محفز للنزاع وعدم الاستقرار والياس خاصة وسط الشباب، نجد أن الحرب قد دمرت البنيات التحتية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والامنية، واستنزفت الموارد الوطنية في التسلح وبناء القدرات العسكرية على حساب الصحة والتعليم والطاقة، كما أدت الحرب إلى نزوح الملايين من البشر وأوقفت عجلة الإنتاج وغيرت الديموغرافية والوضع السكاني. فلا غرابة أن قفز هذا الدمار بمستويات الفقر إلى أرقام قياسية، مما دفع البعض منا أن يعتقد أن الفقر يخلق بيئة هشّة تضمن استمرار الصراع.
ومعلوم أن الحروب تخلق اقتصاداتها الخاصة بها؛ من ذلك، مثلاً، نجد نمو شبكات النفوذ والثراء في الداخل والخارج، وهي شبكات من الأشخاص والفئات النافذة التي تتكسب وتستفيد من حالة عدم الاستقرار، مما يجعل إنهاء الحرب بالنسبة لهم خسارة اقتصادية. وفي الأزمات والحروب، قد يتحول الفقر إلى وسيلة للسيطرة واستغلال حاجة الناس للمأوى والغذاء والعلاج، وقد زادت هذه الأطماع الطفيلية من معاناة البشر في شتى أنحاء الدولة.
ومن قراءة التاريخ القديم والحديث للحرب والفقر، نكتشف أن هذه الدائرة الخبيثة محفزة للابتكار والتغيير الهيكلي. تاريخياً، لم تكن الحروب والأزمات الاقتصادية الخانقة مجرد معطل للتقدم، بل كانت في كثير من الأحيان دافعاً قسرياً للتطور والابتكار. ومن الأمثلة التاريخية نشأة دول الرفاه الاجتماعي في أوروبا وتأسيس أنظمة الرعاية الصحية الشاملة بعد الحرب العالمية الثانية. لم تنشأ هذه الدول من فراغ، وإنما أجبـرتها أزمات الحرب والفقر على إعادة النظر في كيفية توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية. كذلك نجد في كتب التاريخ عبارة المؤرخ تشارلز تيلي (Charles Tilly) الشهيرة: الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب. وذلك يعني أن التحديات الوجودية، وليس العقد الاجتماعي، تجبر الدول الحديثة على بناء المؤسسات القوية وأن تضع اللبنات الضرورية للتنمية.
وفي القارة السمراء نجحت العديد من الدول مثل انجولا وسيراليون وليبريا وموزمبيق ورواندا من كسر الدائرة الخبيثة للحرب والفقر وقدمت نماذج يحتذى بها في تحويل الم النزاعات الى محرك للتعافي والازدهار الاقتصادي ومحاربة الفقر. لقد نجحت رواندا، مثلا، في تجاوز الصراع بالحسم العسكري واعتماد سياسة المصالحة الوطنية، وذلك الى جانب استثمار الدولة في الشمول المالي والتحول الرقمي، ومحاربة الفساد، وانخفضت معدلات الفقر بشكل قياسي من 60٪ في عام 2000 الى 27.4٪ في عام 2024، وفي العاصمة كيجالي انخفض مدل الفقر الى اقل من 10٪ في عام 2024، بناء على نتائج المسح الوطني.
وبالتمعن والتفكير في دائرة الحرب والفقر، قد يسأل بعضنا: هل ينتظر التقدم ومحاربة الفقر انتهاء الحرب؟ إن القول بأن التنمية ومحاربة الفقر تبدأ فقط بعد انتهاء الحرب يحمل جانباً من المثالية التي لا تطابق الواقع المعاش في كثير من الأحيان. ففي العديد من الدول المذكورة اعلاه، تم السعي لبناء شبكات الأمان الاجتماعي وآليات التكيف الاقتصادي في قلب الصراع، كما حدث في أوكرانيا مثلاً. وفي كثير من الأحيان، تعتمد المجتمعات المحلية على المبادرات الذاتية، والاقتصاد الموازي، والتكافل الاجتماعي للبقاء واستمرار الحياة الاقتصادية حتى في أحلك الظروف كما حدث في رواندا مثلا.
إن الحرب والفقر بلا شك يصنعان آلاماً بشرية لا تُحصى، واستقرار المجتمعات ورفاهيتها يظلان الهدف الأسمى لكل تحرك إنساني. إلا أن فهم العلاقة بينهما يتطلب الابتعاد عن النظرة التبسيطية العاطفية؛ فهما ليسا مجرد نهاية للتاريخ أو خلل مطلق، بل هما ظاهرتان معقدتان تتداخل فيهما أسباب الدمار مع آليات التكيف، وتدفعان أحياناً، عبر مخاض أليم، نحو إعادة تشكيل المجتمعات وبناء نظم سياسية واقتصادية جديدة. وتبقى تجربة السودان شاهدة على صراع إنساني مرير بين قسوة السلاح في التدمير وعزيمة المواطنين في البقاء؛ فبينما تحاول الحرب محو الذاكرة وتدمير العمران، يثبت الإنسان السوداني يومياً قدرته على صناعة الأمل من رحم المعاناة.

