الخرطوم شوف عين (6/6)
محمد يوسف العركي
وفجأة وجدت أن الأيام قد انقضت مسرعة، كأنها لحظات خاطفة لا ثلاثة أسابيع كاملة. وما ارتوينا من صحبة المكان، ولا اكتفينا من مذاق الذكريات، ولا نفد حديث الشوق.
ولعل من أكثر ما آثرت أن أفعله منفرداً أن أعود إلى بعض الشوارع والأماكن التي ارتبطت في الذاكرة بمواقف عصيبة أيام وجود الجنجويد الأوباش. كنت كلما بلغت شارعاً أو موضعاً تذكرت ما مر به، فأحمد الله كثيراً على نعمة الأمن والعافية، وأستشعر مقدار الفضل الإلهي الذي أعاد الطمأنينة إلى النفوس والطرقات.
وكما كانت البداية عند مرطبات السلام بالسجانة، بدا لي أن يمر طريق العودة إلى المطار بالمكان نفسه. وهناك قفز إلى خاطري الأخ الحبيب وزميل الدراسة بدر الدين عباس شكاك من قرية كنور بمدينة عطبرة. كنا أيام الجامعة نزور تلك القرية الوادعة على ضفاف النيل، المشبعة بالطيبة والنقاء والكرم، ولم تنقطع صلتنا بها في المناسبات الكبرى حتى بعد التخرج.
تذكرته لأن أسرتي وأنا، في رحلة مغادرتنا السودان، مررنا بعطبرة قبل الوصول إلى بورتسودان، فأقمنا في داره العامرة عدة أيام. استعدنا خلالها عبق الذكريات، واسترجعنا جميل الحكايات. فوجدته كما عهدته دائماً: خلقاً رفيعاً، وذوقاً جميلاً، وكرماً أصيلاً.
وكنت أظن أن النسائم التي تغنى بها الشعراء نسائم تهب من الأرض والماء، حتى وجدتها متجسدة في بدر الدين وأهله:
قطار الشوق
متين ترحل تودينا
نشوف بلداً حنان أهلها
وترسي هناك ترسينا
نسائم عطبرة الحلوة
تهدينا وتنسينا
نقابل فيها ناس طيبين
فراقهم كان مبكينا
وحين وصلنا إلى مرطبات السلام بالسجانة كانت الشمس قد بدأت تلملم خيوطها مودعة الأفق، فقلت في نفسي: لعل من حكمة الله أن يكون هذا المشهد خاتمة الرحلة، لأقف عند بعض المعاني التي يحملها الدعاء المأثور: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
غابت الشمس عن السماء، لكنها أشرقت في النفس بمعانٍ كثيرة من الحمد والامتنان. كان أعظمها أنني شهدت نعمة النصر الذي رأيناه طويلاً في القلوب أملاً ويقيناً، ثم رأيناه بفضل الله واقعاً معاشاً في وجوه الناس، وفي حركة الأسواق، وفي الطرقات والمواصلات.
وازددت يقيناً أن هذه البلاد مباركة، ظاهراً وباطناً، وأن في أرضها وأهلها من أسباب الخير ما يجعلها، بإذن الله، عصية على الانكسار، محفوظة بحفظ الله ورعايته.
أكملت إجراءات السفر، وودعت صحبة الحق والخير والجمال، أولئك الذين كانوا كما عرفتهم دائماً حضوراً في الحس والمعنى، وكانت وجوههم أول ما استقبلني عند الوصول، وآخر ما ودعت قبل الرحيل.
بدأت الطائرة إقلاعها، لكنني معنوياً كنت ما أزال في الخرطوم.
وهبطنا في مطار الدوحة… وما زلت في الخرطوم.
وها أنا أختم”الخرطوم شوف عين”، وما زلت في الخرطوم.
فالمدن لا تسكن الخرائط وحدها، وإنما تسكن القلوب. والخرطوم، مهما ابتعدت عنها المسافات، ستظل وطناً مقيماً في الوجدان، وذاكرة لا تغادر الروح.
تمت
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

