السودان وروسيا
نعم نستطيع !!!
لم تكن أهمية زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى موسكو في أكتوبر 2026 مرتبطة فقط بما يمكن أن تسفر عنه من تفاهمات سياسية، وإنما بما طرحته من إمكانية إعادة تعريف المصالح الاقتصادية بين السودان وروسيا، ونقل العلاقة من دائرة التعاون التقليدي المرتبط بالسياسة والسلاح إلى فضاء أوسع من الاستثمار والإنتاج والتجارة والبنية التحتية. فالسؤال الأهم لم يعد: هل تحصل روسيا على موطئ قدم عسكري في البحر الأحمر؟ بل: كيف يمكن للسودان أن يحول موقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية إلى شراكة اقتصادية تحقق مصالح متبادلة وتحافظ على استقلال قراره الوطني؟
في اللقاء الذي جمع البرهان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين يوم 30 أكتوبر، برز مقترح سوداني بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تتيح للشركات الروسية إقامة مستودعات للقمح والوقود، إلى جانب دعوة الشركات الروسية للمشاركة في تطوير شبكة السكك الحديدية واستثمار الفرص المتاحة في قطاع التعدين، خصوصاً الذهب والنحاس والمعادن الأخرى. وهي مقترحات تفتح الباب أمام تصور اقتصادي يتجاوز حدود التبادل التجاري إلى إقامة مشروعات إنتاجية ولوجستية ذات امتداد إقليمي.
تكتسب هذه الطروحات أهمية إضافية في ظل احتفال البلدين بمرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية، وفي وقت تسعى فيه موسكو إلى توسيع حضورها الاقتصادي في القارة الأفريقية، بينما يحتاج السودان، الذي أنهكت الحرب اقتصاده وبنيته التحتية، إلى شركاء يمتلكون التمويل والخبرة والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار.
إن جوهر الفرصة يكمن في أن السودان ليس مجرد سوق لاستقبال السلع الروسية، ولا مجرد مصدر للمواد الخام، وإنما يمتلك مقومات تؤهله ليكون مركزاً للتخزين والتصنيع والتوزيع وإعادة التصدير نحو الأسواق الأفريقية. فموقعه على البحر الأحمر، وامتداده الزراعي، وتنوع موارده المعدنية، وشبكة موانئه وممراته البرية، تمنحه فرصة للتفاوض على شراكات تتجاوز العائد المباشر إلى بناء قدرات اقتصادية مستدامة.
يمثل مقترح المنطقة الاقتصادية الحرة على ساحل البحر الأحمر مدخلاً عملياً لإعادة توظيف الموقع الجغرافي للسودان. فإقامة مستودعات استراتيجية للقمح والوقود، ومراكز للخدمات اللوجستية، ومناطق للتخزين والتوزيع، يمكن أن تجعل من الموانئ السودانية نقطة اتصال بين روسيا والأسواق الأفريقية، خاصة في ظل احتياجات العديد من الدول الأفريقية للغذاء والطاقة وتضمنت مباحثات موسكو عرض فرص استثمارية روسية في مواقع معدنية سودانية، تشمل الذهب والنحاس ومعادن أخرى. غير أن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس استقطاب شركات التعدين فحسب، وإنما ضمان أن تتحول هذه الاستثمارات إلى عائد اقتصادي حقيقي للدولة والمجتمعات المحلية وهذا يتطلب عقوداً واضحة وشفافة، تحدد حقوق الدولة ونسب العائد، وتضمن تحويل حصائل الصادرات عبر القنوات المصرفية الرسمية، وإقامة معامل التكرير ومصانع المعالجة داخل السودان، بدلاً من الاكتفاء باستخراج الخام وتصديره.
كما أن تطوير قطاع التعدين يحتاج إلى تحديث نظم المسح الجيولوجي، وتوفير التقنيات الحديثة للاستكشاف، وإنشاء بورصة أو منظومة منظمة لتجارة الذهب والمعادن، وإحكام الرقابة على الإنتاج والصادر. فالمعادلة الاقتصادية المطلوبة هي الانتقال من اقتصاد استخراج الموارد إلى اقتصاد تصنيعها وتسويقها، بما يقلل التهريب ويزيد الإيرادات العامة ويوفر العملات الأجنبية.
في قطاع الزراعة يمكن تأسيس مشروعات مشتركة في إنتاج القمح والذرة والمحاصيل الزيتية، وتطوير مشروعات الري الحديث، وتوفير الآلات والحاصدات ومعدات الحصاد والتخزين، وإنشاء مصانع للأسمدة والمبيدات وفق الاشتراطات البيئية والصحية ولا ينبغي أن تكون الغاية تأمين واردات السودان من القمح الروسي فقط، وإنما توظيف الخبرة والتكنولوجيا والتمويل الروسي لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد. فالسودان الذي يستورد غذاءه رغم امتلاكه إمكانات زراعية ضخمة يحتاج إلى شراكات تنقل التكنولوجيا وتعيد بناء قدراته الإنتاجية.
ويمكن أن تمتد هذه الشراكة إلى إنشاء صوامع ومراكز تجميع للحبوب في مناطق الإنتاج، وربطها بالموانئ عبر السكك الحديدية، بما يخفض تكلفة النقل والفقد ويزيد تنافسية المنتجات.
في قطاع الطاقة، تبرز فرص التعاون في إعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتطوير مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، واستكشاف فرص الاستثمار في النفط والغاز، إلى جانب تدريب الكوادر السودانية ونقل التقنيات اللازمة للتشغيل والصيانة فالاستثمار في الكهرباء والطاقة ليس مشروعاً خدمياً منفصلاً، بل شرط أساسي لعودة المصانع والمشروعات الزراعية والتعدينية إلى الإنتاج، ولذلك ينبغي أن يكون جزءاً من أي برنامج جاد لإعادة الإعمار.
ملف الصناعة تتسع فيه فرص التعاون لتشمل الصناعات التحويلية والدوائية والمعدات الزراعية والصناعات الغذائية، فضلاً عن مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتحول الرقمي. وقد أشار بوتين، وفق ما نقلته التقارير عن لقائه بالبرهان، إلى استعداد بلاده للتعاون في مجالات التطوير الرقمي والصحة والتعليم واللوجستيات والصناعة وهذه مجالات ينبغي ألا تبقى في إطار التصريحات العامة، بل تتحول إلى برامج تنفيذية تتضمن إنشاء مصانع مشتركة، وتدريب المهندسين والفنيين، وتطوير الجامعات ومراكز البحث العلمي، وتوسيع المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي.
فالسودان لا يحتاج إلى استيراد المعدات والتقنيات وحدها، وإنما يحتاج إلى بناء قاعدة بشرية ومؤسسية قادرة على تشغيلها وتطويرها، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب ونقل المعرفة جزءاً لا يتجزأ من العائد الاقتصادي للشراكة.
إن زيارة موسكو تفتح نافذة لإعادة التفكير في طبيعة العلاقات الاقتصادية السودانية الروسية، لكنها لا تمثل في حد ذاتها ضماناً لتحقق المشروعات أو تدفق الاستثمارات. فالفرق كبير بين التفاهم السياسي والالتزام التعاقدي، وبين إعلان الرغبة في الاستثمار وبدء التنفيذ الفعلي.
والدرس الاقتصادي الأهم أن السودان لا ينبغي أن يساوم على جغرافيته أو موارده مقابل مكاسب سياسية مؤقتة، بل عليه أن يحولها إلى أصول إنتاجية تدر دخلاً مستداماً وتوفر فرص العمل وتعيد بناء مؤسسات الدولة.
فإذا تحولت المنطقة الاقتصادية الحرة إلى مركز للتجارة والتصنيع والتخزين، وتحول التعدين إلى صناعة وطنية، والزراعة إلى قاعدة للأمن الغذائي والتصدير، والسكك الحديدية إلى شرايين تربط مناطق الإنتاج بالموانئ، فإن التعاون مع روسيا يمكن أن يصبح رافعة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني .
الأهم أن السودان لا ينبغي أن يساوم على جغرافيته أو موارده مقابل مكاسب سياسية مؤقتة، بل عليه أن يحولها إلى أصول إنتاجية تدر دخلاً مستداماً وتوفر فرص العمل وتعيد بناء مؤسسات الدولة.
فإذا تحولت المنطقة الاقتصادية الحرة إلى مركز للتجارة والتصنيع والتخزين، وتحول التعدين إلى صناعة وطنية، والزراعة إلى قاعدة للأمن الغذائي والتصدير، والسكك الحديدية إلى شرايين تربط مناطق الإنتاج بالموانئ، فإن التعاون مع روسيا يمكن أن يصبح رافعة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
أما إذا بقيت الاتفاقات في حدود التصريحات والمذكرات، أو اقتصرت الشراكة على استخراج الموارد وتصديرها دون قيمة مضافة، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة القديمة ذاتها موارد ضخمة، وعائد محدود، وأزمات متجددة.
في موسكو طُرحت فرص اقتصادية تستحق الدراسة والتفاوض الجاد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ في الخرطوم وبورتسودان، حيث ينبغي أن تتحول الوعود إلى عقود، والعقود إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج وفرص عمل وإيرادات عامة.
فالسودان لا يحتاج إلى شريك يبحث عن موقع على البحر الأحمر فحسب، بل إلى شريك يساهم في بناء اقتصاد قادر على تحويل البحر والأرض والثروة إلى تنمية تعود على الشريكين بالمكاسب.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

