ا.د .عبدالمنعم محمد الطيب
خبير اقتصادي ومصرفي وأكاديمي
تعقيب على فيديو متداول للأستاذ : قاسم الظافر– الأمين العام للحركة الوطنية – رؤية حول تقليل الطلب على الدولار ( سلسلة حلول اقتصادية مبتكرة6-6)
أولاً : عرض المقترح
اطلعت في الميديا لفيديو متداول لفترة زمنية ليست بالقصيرة ، يشير الى كيفية تقليل الطلب على الدولار ضمن منظومة متسلسلة تحمل اسم –حلول اقتصادية مبتكرة ، حيث يشير الأستاذ قاسم الظافر، الأمين العام للحركة الوطنية ، الى ضرورة التعامل مع أربعة دول ذات ثقل في التبادل التجاري والخدمي بغرض تخفيف ضغط الطلب على الدولار كعملة أجنبية ومن ثم تحقيق استقرار سعر الصرف ، وهي دول الصين و روسيا الاتحادية ، وجمهورية مصر العربية و اثيويبا (والتي تمثل تحويلات المقيمين في السودان من الجنسية الاثيوبية النسبة الغالبة لتحويلات تشكل ضغطاً مستمراً على طلب العملات الأجنبية وبالتالي التاثير على سعر الصرف ).
تقوم فكرة الأستاذ قاسم الظافر على افتتاح فروع مصرفية للدول المعنية الأربعة في السودان وان يتم التعامل مباشرة بعملاتها على سبيل التبادل المصرفي الثنائي ، مما يخفف الضغط على الدولار والطلب عليه ، والذي يجب توظيفه لسد احتياجات البلاد الأخرى ، وبالتالي يجب على وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ، ومحافظ بنك السودان المركزي ، تسهيل الإجراءات والمساعدة في افتتاح الفروع المحددة وبالتالي ممارسة نشاطها ، على أن يتم ذلك من خلال ما طرحه صاحب المقترح والفكرة في شكل خطة اقتصادية اسعافية .
حقيقة لاقى الفيدو رواجاً وانتشاراً واسعاً وتداولاً من عامة أفراد المجتمع وامتد الى المختصين والاقتصاديين والمصرفيين ، ويبدو أنه نال اعجاباً من خلال سلاسة العرض والأسلوب الشيق الذي تم به والذي يعكس قدرة الأستاذ قاسم الظافر على الاقناع وتقديمه لرؤيته للحل.
ثانياً :تحليل المقترح اقتصادياً ومصرفياً
ان قيام العلاقات الاقتصادية والمالية الخارجية بين الدول تحكمه العديد من العوامل والمتطلبات ، كالمؤشرات والمراكز المالية و تقييم اقتصاد الدولة ودرجةالمخاطر السيادية والاقتصادية والسياسية ومدى انفتاح الدولة على العالم الخارجي ، فقد ترغب دولة في استقطاب عملاء وفروع لبعض المصارف نظراً لاهميتها النسبية وقدرتها على حل اشكالاتها ، الا ان الجانب الاخر قد لا تكون لديه نفس الرغبة والحماس الذي يعكسه الطرف الاخر . من ناحية أخرى نجد أن الميزات النسبية التي تتمتع بها صادرات وواردات الدولة من السلع والخدمات قد لا تتوافق كلية مع الدولة الأخرى ، وهنا ينتفي مبدأ التوازن في المنافع والتكافؤ بين الطرفين ، وبالتالي فان انشاء هذه العلاقات تحكمه اعتبارات مختلفة تنقبض وتنبسط و لا تتم وفقاً لرغبتنا في كافة الظروف .ومن جانب آخر فان المصارف ذات المركز المالي المتميز قد تحقق فوائد وعوائد للعملاء من خلال الحصول على التسهيلات الائتمانية لها ولعملاءها ( تسهيلات الدفع ) .
من جانب آخر نشير الى أن القبول لعملات الدول على المستوى الدولي يتوقف على مدى نشاط الاقتصاد المحلي لكل دولة ومدى انفتاحهاعلى العالم الخارجي وقبول عملاتها، فلا يمكن القول أن عملة محددة تبلغ قيمتها مقارنة بالعملات الأخرى تعتبر هي الأعلى وبالتالي هي التي تسود في التجارة الخارجية ، لكن في ذات الوقت قد لا يتحقق لها القبول العالمي والدولي ، لذا فان بعض عملات الدول المعنية تتباين من حيث القبول العالمي ، وكذا الحال بانسبة لعملتنا الوطنية التي قد لا تلقى القبول بذات السيناريو .
أشير الى أن ميزان المدفوعات يعتبر بمثابة البيان الاقتصادي للدولة مع العالم الخارجي والذي يتكون من ثلاثة بنود أولها بند ميزان السلع والخدمات ، فان تحدثنا عن السلع فيعكسها الميزان التجاري ، وان أشرنا للخدمات فيعكسها ميزان الخدمات حيث يعتبر من مكوناتها الخدمات المصرفية ، أما البند الثاني فهو بند الدخل و التحويلات ، وتعتبر تحويلات العاملين بالخارج أحد مكوناته ، وبالإضافة لهذين البندين هناك بند حساب رأس المال وأخيراً البند التصحيحي والذي يسمى بالسهو والخطأ أو الأخطاء والمحذوفات ، وهذا هو الاطار الكلي لميزان المدفوعات بشكل مبسط وميسر . ويمكن القول أن كل موازين مدفوعات دول العالم تعاني من اختلال في هذا الميزان ( عجزاً أو فائضاً ) ويتم التصحيح من خلال نظريات ميزان المدفوعات .
ثالثاً : التعليق على المقترح من وجهة نظر أكاديمية ومهنية
سوف ينصب التعليق على أربعة جوانب تتصل وتتقاطع مع بعضها البعض :
الجانب الأول : ان القصد من تناول ميزان المدفوعات بهدف الربط مع مقترح الأستاذ قاسم الظافر بان النظرة لمعاملات النقد الأجنبي يجب أن تكون نظرة كلية ، ولذلك تتباين فيه الأرقام والإحصاءات ما بين حركة السلع والخدمات بين الإدارة العامة للجمارك وبنك السودان المركزي من حيث تدفق السلع وحركة الدفع ، مما يفضي الى أن النظرة لعمليات الطلب والعرض تتشكل وفقاً للاداء والرؤية العامة للدولة التي تتم صياغتها عبر السياسات الاقتصادية الكلية استناداً الى الأهداف الكلية والوسيطة المقترحة( ولا نقر أنها هي البلسم والشفاء من أمراض وتشوهات الاقتصاد الكلي وانما تمثل رؤية وخطة لفترة قادمة يتم تعضيدها في حالة نجاحها واجراء تعديلات عليها في حالة انحرافها عن الأهداف المرجوة ).
الجانب الثاني : أن المصارف السودانية و عملاءها تواجه تحديات وتعقيدات لتنفيذ معاملات التجارة الخارجية بسهولة ويسر ، منها ما يرتبط بالحظر الاقتصادي الأمريكي المفروض على الدولة وتسير في اتجاهه العديد من الدول ، إضافة الى التصنيف الائتماني للدولة ومؤسساتها الاقتصادية ومدى قدرتها على الاستفادة من المؤسسات المالية والنقدية الدولية ، كلها عوامل يجب أن تؤخذ في الاعتبار في الاطار الكلي عند النظر في رسم ملامح سياسات النقد الأجنبي والتي يعتبر سعر الصرف أحد أدواتها ،وعلى الرغم أن بعض الدول تمتعت بتواجد فروع مصرفية لها الا أنها لم تقم بالدور والهدف الذي ينشده صاحب الفكرة ،مع التيقن أن مصارف أخرى قامت بادوار أكبر استناداً الى شبكة مراسليها الواسعة التي تمتلكها وبالتالي تصبح فرضيةفتح فروع مصرفية متبادلة غير ذات جدوى .
الجانب الثالث : أن إدارة سعر الصرف تتوقف على تقديرات المعاملات مع العالم الخارجي وتحديداً موازنة النقد الأجنبي والتي ترتبط بمؤشرات أخرى ( المؤشرات الاقتصادية والمصرفية ، كمعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي والتضخم وعرض النقود وميزان المعاملات الخارجية )بالإضافة الى طريقة اختيار كيفية تحديد سعر الصرف ( سعر الصرف الحر ، سعر الصرف الثابت ، سعر الصرف المرن المدار……) ، لذا فان النظرة الى تحديد سعر الصرف وادارته يجب أن تكون كلية وليست جزئية ، مما يحتم علينا أن يكون لدينا بعد نظر أعمق عند النظر الى كيفية إدارة سعر الصرف ، والتي يجب أن يكون هدف الجميع هو استقراره بابتداع حزم وخارطة طريق لا تصطدم بعوامل خارجية وظروف قاهرة .
الجانب الرابع : أشير للأستاذ قاسم الظافرأن طرحه يحتاج الى توسيع دائرة الرأي مع أطراف أخرى ، ودراسات متكاملة تبدأ بمراجعات لهيكل الإنتاج المحلي والخدمات للاقتصاد السوداني ، وأن يكون هناك بعد نظر لطبيعة وهيكل الصادرات السلعية والخدمية ، مع تحديد وتوصيف للاشكالات التي تواجهها خارجياً ، مع الاخذ في الاعتبار جانب الاستيراد السلعي والخدمي ومدى توافقه مع هيكل ومكونات الاقتصاد السوداني ، وكذلك النظر في إمكانيات المؤسسات المصرفية وقدرتها في الحصول على مكاسب حقيقية من خلال علاقاتها المصرفية الخارجية دون الحاجة الى فتح بعض المصارف المقترحة والتي تستند كذلك على تحقيق الاستدامة المالية ( ليس من العدل أن يقتصر نشاط فروع المصارف الأجنبية المقترحة على عمليات الاستيراد والتصدير دونما اعتبار للنشاط المصرفي بشكل متكامل )، أما التخوف من تحويلات العمالة الأجنبية للخارج ( يتوقف على تنظيم الهجرة المنظمة وغير المنظمة في دولة مترامية الأطراف و الحدود )ويمكن النظر اليه من زاوية أخرى لكيفية الاستفادة من تحويلات العاملين بالخارج ومن يمثلها كقناة محفزة لعرض النقد الأجنبي.
لذا يمكن القول أن استهداف استقرار سعر الصرف والاستفادة من الميزات والعلاقات الداخلية والخارجية ليس بهذه السهولة التي تم بها العرض والتحليل وانما يحتاج لعمق أكبر .
والله الموفق
7 فبراير 2025م

