قطاع التمويل الأصغر بالسودان.
السياسات والاجراءات والاحتياجات ما بعد الحرب.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنميه، اجفند.
نزح عدد كبير من المواطنين وزادت معدلات التضخم وضعفت الموارد المالية للأفراد والأسر لتوقف التشغيل والنشاطات الاقتصادية . كل ذلك أثر على القدرة الشرائية وتدهور الأوضاع المعيشية ورتفاع معدلات الفقر. وتاثر قطاع التمويل الأصغر خلال فترة الحرب في البنية التحتية بسبب نهب الأوراق النقدية والأصول وتوقف العمل ونزوح الموظفين للمناطق الآمنة وفقدان الاتصالات بين الفروع والأنظمة والبرمجيات في المقرات الرئيسية التي تتواجد بمناطق المعارك في الخرطوم (المباني والأثاث (أجهزة الكمبيوتر والأنظمة الإلكترونية والأوراق النقدية). كما تقلص نشاط الإقراض بشكل كبير خاصة التمويل للقطاعات الاقتصادية المستهدفة ( عدا القطاع الزراعي في بعض الولايات) بسبب الخوف من التخلف عن السداد اضافة لضعف المحافظ التمويلية بسبب ضعف انسياب الموارد من المصارف (التي عانت أزمة كبيرة في الموارد) للمؤسسات و انخفاض الجازبية لودائع العملاء نتيجة لضعف التمويل، فضلا عن سحب الادخارات الطوعية لاستخدامها في الاستهلاك. كما قامت بعض المؤسسات بتخفيض العاملين وتوقف صرف الرواتب وظهور أزمة شح السيولة بسبب تعطل الإنترنت.
التقارير المرفوعة من المؤسسات للبنك المركزي غير مكتملة للوصول الى حجم التمويلات والتعثر الكلي بالمؤسسات، فضلا عن صعوبة تقدير حجم الخسائر على المؤسسات والافصاح عن حجم الأضرار في الوقت الحالي وقبل انتهاء الحرب لغياب الانظمه وتجزأة البيانات، حيث أن العمل المصرفي لا يقبل التجزأة في البيانات وبناء السياسات على البيانات المتاحة. هناك بعض البيانات اغلبها تقديريه، و الأثر الحقيقي بالارقام سيظهر بعد الرصد الدقيق بانتهاء الحرب، خاصة حجم التعثر ونسبه. لذلك كان من الأفضل عدم حساب التعثر وحتى انتهاء الحرب بعد معرفة كل الحقائق ، مع ايقاف سياسة المخصصات والعمل على تغيرها بشكل يمنح فترة زمنية لاطفاء الخسائر دون تأثير ذلك على راس المال، لان الاعلان وتطبيق السياسة الجارية قبل الحرب سيعني الاعلان عن الانهيار وبالتالي تبعات كبيره للبنك المركزي والمؤسسات وشركائها.
على الرغم من هذه الظروف الاستثنائية قامت بعض المؤسسات بمواصلة حماية الفئات الضعيفة عبر تمويل القطاع الزراعي الريفي في بعض الولايات الآمنة حيث تم في الموسم الزراعي الصيفي في 2023 وحتى نهاية شهر أغسطس تنفيذ إجمالي مبلغ 6.3 مليار جنيه لتمويل القطاع بواسطة (9) مؤسسات تمويل أصغر لصالح 15 ألف مستفيد في عدد 8 ولايات، مقارنة بحجم تمويل قائم في القطاع الزراعي في 2022 بلغ 105,144 مليار جنيه، حسب بيانات تقرير أداء قطاع التمويل الأصغر 2022 .[1]فضلا عن العمل من خلال الفروع غير المتأثره بالحرب وتركيز التمويل لصغار المزارعين فيها (تقديم البذور المحسنة ومدخلات الانتاج وأنظمة الري والطاقة الشمسية والتثقيف المالي) و التكيف والصمود وخلق منتجات تتوافق مع النازحين مع تنويع المنتجات (توزيع المنح و الاعانات النقدية و نشاطات التدريب ). وربما كانت مؤسسات التمويل الأصغر أكثر قدره على الصمود في وجه الصدمات ولكن ضعف مقدراتها التمويلية أضعف تأثير ما قامت به.
مهما يكن من أمر فان تاثيرات الحرب كانت اكبر صدمه عاني منها قطاع التمويل الأصغر مما يستدعي العمل من أجل تقدير الخسائر ووضع السياسات والاستراتيجيات والخطط التشغيلية الملائمة لمرحلة ما بعد الحرب، حيث كان الاهتمام منذ قيام الحرب المحافظة على التمويل في أدني صوره خاصة في القطاع الزراعي الريفي، و تخفيف الأثر السالب على المؤسسات ومواصلة العمل في بعض المؤسسات و تحقيق القدرة على الصمود خلال فترة الأزمة. ولكن ينبغي بنهاية الحرب التفاعل مع مادمرته الحرب ووضع اساس جيد للاستقرار واستمرار القطاع في تقديم خدماته بالشكل السابق للحرب.
عاني قطاع التمويل الاصغر من اختلالات قبل الحرب وبعدها. ومن الحكمة اعادة النظر في سياسات القطاع الذي يمثل المفتاح إلى التعافي بما في ذلك زيادة كفاءة القدرات الاشرافية والتنظيمية لوحدة التمويل الأصغر و لمنسوبي المؤسسات بعد تداعيات الأزمة. والبدء بمعالجات من أجل ضمان الاستئناف الكامل للعمليات اليومية للعملاء بعد الحرب باجراءات اصلاحية آنية لمعالجه التعثر بكمح فترات زمنية اضافية لأطفاء التعثر لكيلا تزيد المخصصات بشكل كبير على حساب رؤوس أموال المؤسسات خاصة الضعيفة منها، ووضع سياسات جديدة للمخصصات تفاديا لتآكل رؤوس أموال المؤسسات. ووضع نماذج جديدة مؤقته للإشراف ومعايير مرجعية جديدة لخدمات التمويل الأصغر. واستحداث قروض الطوارئ للعملاء المتأثرين بانشاء محافظ طواريء بمساهمة بنك السودان المركزي والدعم الأجنبي . وتشجيع المؤسسات على استحداث برامج إقراض مستهدفة للقطاعات الأكثرتضرراً من الحرب، لتعزيز التعافي واعادة هيكلة الديون المتعثره للمؤسسات من البنوك خلال فترة الحرب بفترات سماح خوفا من حدوث تباطؤ في عملياتها التمويلية بعد انتهاء الحرب.
أثناء الحروب وبعدها، تلعب الجهة الرقابية والتنظيمية دورا حاسما بمحاولة تحقيق الاستقرار ودعم المؤسسات وتسهيل عملها بالشكل الذي يضمن الاستدامة والنمو في المستقبل. يمر قطاع التمويل الأصغر بسبب الحرب بأربعة مراحل ينبغي أن يكون في كل مرحلة اجراءات وسياسات وعمليات مناسبة. وهذه المراحل هي (1) حالة الطوارئ الاستثنائية (2) مرحلة اجراء التعديلات والسياسات والاجراءات بعد مرور أشهر على بدء الحرب (3) مرحلة التعافي و (4) مرحلة اعادة الاعمار. انتهت المرحلتين الأولي والثانية وتبقت المرحلة الثالثة والرابعه. هذا التصور يتعلق بالمرحلة الثالثة التي تبدا بعد اعلان وقف الحرب، بينما المرحلة الرابعه تأتي لاحقا وترتبط بوضع استراتيجية الجديدة للتمويل الأصغر ليبدأ العمل فيها في 2027 . وللبدء في تنفيذ المرحلة الثالثة والرابعة نقترح اجراء دراسة استكشافية شامله تستهدف الاستعداد لوضع الاسس الكفيلة بالتعافي واعادة الاعمار للقطاع بعد الحرب. وتشمل الدراسة ولا تقتصر على الموضوعات التالية:
· بيانات رقمية تحليلية للموقف الحالي لحجم الدمار في البنيات التحتية والبرمجيات والأصول وغيرها في كل المؤسسات دراسة تاثير الحرب على نشاطات العمليات والانتشار والموارد والتعثر والأرباح والنسب الأخري كالعائد على الأصول وحقوق الملكية وغيرها.
· وضع تصور لسياسات اسعافية تستهدف اعادة اعمار قطاع التمويل الأصغر بعد الحرب، خاصة فيما يتعلق بمقترح الضوابط المؤقتة لبعض المتطلبات مثل التمويل المتعثر وبناء مخصصات الاهلاك، آجال التمويل بالجملة، استعادة الاصول الثابتة المفقودة والمتضررة، آجال تقديم الحسابات الختامية المراجعة في فترة الحرب والتجهيز للحسابات الختامية 2023م.
· تحديد القطاعات الأكثر تضررا واقتراح معالجات طارئة
· مراجعة السنتين الأخيرتين لاستراتيجية قطاع التمويل الأصغر لاستيعاب أثار الحرب في هذه السنوات لوضع الأسس للوصول للتعافي
· تقدير حجم الموارد المالية المطلوبة (بما في ذلك محافظ التعافي والطواريء واعادة الاعمار والموارد الخارجية والدعم) ومصادرها في فترة مابعد الحرب.
· وضع استراتيجية جديدة للتمويل الأصغر تستوعب كل ماجاء أعلاه.
[1] تقرير اداء وحدة التمويل الأصغر للعام 2023م حول اداء وانجازات الادارات العامة منذ يناير 2023م وحتى فبراير 2024.، وحدة التمويل الأصغر، بنك السودان المركزي. تقرير أداء قطاع التمويل الأصغر 2022، وحدة التمويل الأصغر، بنك السودان المركزي.

