موانئ البحر الأحمر السودانية… خيارات الاقتصاد والأمن الإقليمي
بقلم مستشار: احمد حسن الفادني
على ساحل يمتد لنحو 730 كيلومتر على البحر الأحمر يمتلك السودان موقع جيوسياسي جعله شريك محوري في منظومة الأمن البحري وخطوط التجارة الدولية عبر أحد أكثر الممرات المائية ازدحام في العالم، مع عبور نحو 12% من التجارة العالمية سنويا عبر مياهه التي تربط آسيا بأوروبا بقناة السويس، وهنا يتحول البحر الأحمر من شريان استراتيجي إلى مسرح لصراعات نفوذ وامتدادات أمنية تتطلب موقفا سودانيا حاسما يواكب المتغيرات الإقليمية الجديدة.
تبدو الموانئ السودانية اليوم في سباق مع الزمن ،فمن جهة تستعد لاختبار استقبال التجارة العالمية المتأثرة بالأزمات الإقليمية، ومن جهة أخرى تتصارع عليها الدوائر الدولية كركائز في مشاريع الربط القاري وممرات الطاقة البديلة التي تبحث عنها الأسواق العالمية اليوم.
الأهمية الاقتصادية للسودان و الدول الإفريقيا الحبيسة:
يعد ميناء بورتسودان المنفذ الرئيسي لواردات وصادرات السودان إذ يضم مرافق رئيسية تشمل الميناء الجنوبي للحاويات والميناء الشمالي للبضائع السائبة وميناء بشائر لتصدير نفط جنوب السودان، وقد أسهم الميناء بنسبة 14% من واردات وصادرات البلاد مع تسجيل قفزة في صادرات المواشي إلى 5 ملايين رأس سنويا مع اندلاع الحرب مما يعكس قدرته الفائقة على تعويض توقف وسائل النقل الأخرى.
يمثل هذا الميناء بوابة لا غنى عنها لدول الجوار الحبيسة مثل إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان التي تعتمد على المنفذ السوداني في أغلب علاقاتها التجارية،إذ تضم أفريقيا وحدها 16 دولة حبيسة تنظر إلى الساحل السوداني على أنه نافذتها الأهم نحو الأسواق العالمية.
الأهمية الأمنية والجيوسياسية للبحر الأحمر:
يمثل تحويل مياه البحر الأحمر إلى مسرح للصراعات الدولية تحدي مباشر للأمن الوطني السوداني إذ أنه يعطل الملاحة والتجارة التي تشكل قناة الوصل الوحيدة بين السودان والمحيطين الهندي والأطلسي ومع التحولات الأخيرة التي تصاعدت فيها وتيرة عسكرة الممرات وتعقيدات الصراعات الإقليمية يتحتم على السودان تطوير رؤيته الأمنية لتحول مياهه من ساحة للصراعات إلى منظومة دفاع عن ثرواته الوطنية، وتظل الموانئ السودانية محط تنافس إقليمي ودولي لإدراك أن هذه المواقع الجغرافية تؤثر مباشرة على خطوط الطاقة وأمن إمدادات الخليج العربي وشرق آسيا حيث يتمثل دور السودان في هذه المعادلة في صياغة سياسات متوازنة لتأمين مصالحه عبر إطار يقوم على حماية الممر المائي وتعزيز التعاون الاقتصادي.
تحديات البنية التحتية… بين الواقع والطموح:
تعاني البنية التحتية للموانئ السودانية من فجوات هيكلية كبيرة أبرزها عدم قدرة ميناء بورتسودان حاليا على استقبال سفن الحاويات العملاقة التي تتطلب أعماقا كبيرة تتجاوز 18 مترا بينما يتوقف الغاطس الحالي عند مستويات أقل بكثير، مما يضيق من إمكاناته ويحد من فرصه في جذب الاستثمارات الكبرى، وتبلغ قدرة الميناء الأساسية 1.3 مليون حاوية سنويا، ورغم أن أداءه التشغيلي تراوح بين 450 و500 ألف حاوية سنويا في السنوات الأخيرة إلا ان هذا الانخفاض يعود في جزء كبير منه إلى تراجع حجم التجارة الوطنية بسبب آثار الحرب ، وتضاف إلى هذه الصعوبات معوقات لوجستية تتمثل في أن الميناء يحتاج إلى أعمال توسعة لمواكبة أحجام التجارة المتوقعة بجانب مشكلات إدارية و سياسات تجعل الميناء ميناء تنافسي.
برامج ومشروعات تطوير الموانئ السودانية…الأولوية المطلقة:
تأتي حزمة مشروعات الموانئ في مقدمة أولويات خطة إعادة الإعمار لما بعد الحرب، لتكون المفتاح لانطلاق السودان في آفاق استثمارية جديدة تبدأ القائمة بالحاجة إلى تطوير ميناء بورتسودان كأولوية قصوى:
1. تعميق الممر الملاحي وزيادة غاطس الأرصفة لتتجاوز 18 متر لتمكين الميناء من استقبال سفن الحاويات العملاقة وتحويله إلى مركز محوري للتجارة الإقليمية والعابرة للقارات.
2. إعادة تأهيل ميناء سواكن الكائن على بعد 60 كيلومتر جنوبا بصفته محور سياحي ومركزا للأنشطة والخدمات اللوجستية.
3. استكمال وتطوير ميناء أبو عمامة شمالا وفق اتفاقيات شراكة استراتيجية تضمن للتجار من دول الجوار خدمات محسنة ومرافق حديثة.
4. ربط الموانئ بشبكات السكة الحديدية المتطورة التي تعزز الربط مع أسواق وسط وغرب أفريقيا بالتزامن مع إنشاء مناطق حرة لوجستية وتجارية وجاذبة للاستثمارات الأجنبية.
مؤشرات الشراكات الاستثمارية: (السعودية/ مصر)
1. السعودية: حيث أعلن وزير النقل والبنى التحتية منح السعودية أولوية في إعادة الإعمار وتطوير الموانئ والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية، وتركز حاليا على تشكيل لجان فنية مشتركة وتنظيم ورش متخصصة بمشاركة القطاع الخاص السعودي ويأتي ذلك في ظل دعم سياسي سعودي لمسار إنهاء الحرب وجهود التعافي المبكر.
2. مصر: طرحت الحكومة المصرية مشاركة عاجلة لتطوير الموانئ وأبدى رئيس هيئة قناة السويس استعداد لتقديم الدعم الكامل عبر تبادل الخبرات في إدارة الموانئ وتدريب الكوادر وتنفيذ عمليات التجريف أو التكريك لرفع الإنتاجية التشغيلية، ومن المقرر أن يزور فريق متخصص من الجانب المصري السودان لوضع خطة شاملة تدعم استمرارية عمل هذه المنشآت الحيوية.
الرؤية و معادلات المستقبل:
عندما تصبح الموانئ السودانية رقم صعب في معادلات الأمن والتجارة العالمية فإن طموحها الكبير هو للانفتاح بعد الحرب فسيكون ذلك مرهونا بتنفيذ سياسات مدروسة عبقرية تحول هذا الطموح إلى واقع ملموس، ومن خلال منح الأولوية لتعميق الممرات البحرية وتحديث المرافق و الربط الشبكي بالسكك الحديد و تطوير منطقة البحر الاحمر الحرة وانشاء مناطق حرة متخصصة ضخمة، مع تحويل التنافس الإقليمي حول الموانئ إلى تكامل يدفع عجلة الاقتصاد الإقليمي بالتكامل المستدام فإن السودان سيقف على أعتاب البوابة الحقيقية التي تعيد تشكيل مستقبل القرن الأفريقي بأكمله.
ولكن ………..
يبقى السؤال: هل ستحول الدبلوماسية السودانية هذا التزاحم الإقليمي والدولي على موانئها إلى قوة دفع تخدم أجندتها التنموية والأمنية؟
فهل من أجابة ؟؟؟؟

