(جيناكي ذي وزين.. هجر الرهيد يوم جفا).
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
عندما كنت في فترة التحضير للدكتوراه في مدينة مانشيستر العريقة قدم التلفزيون الانجليزى القناة الثالثة حلقة ممتعه حول مسار وادي النيل من بحيرة فكتوريا مرورا بالسودان وحتي المصب بمصر. وكانت الخلفية أغنية حنينة بالعود (جيناكي ذي وزين.. هجر الرهيد يوم جفا والتي اخترتها عنوانا لهذا المقال للفنان الكبير المبدع الباحث في التراث الكردفاني الدكتور عبد القادر سالم عافاه الله ومتعه بالصحة والعافية، والكلمات للشاعر الكردفاني الأستاذ الكبير فضيلي جماع الذي عملت معه في وزارة المالية بسلطنة عمان لفترة قصيرة ووجدت فيه جبل من العلم والثقافة والشعر. لدي زميل سعودي بالكلية يبدو أنه شاهد الحلقة وجذبه صوت الفنان والأغنية وكلما يلتقيني يطالبني أن أغني له الأغنية وكنت أستجيب له جالسا في ممرات الجامعه، وكان معجبا بها أيما اعجاب. ومن وقتها عرفت أن الفنان الكبير لم يأسر قلوبنا نحن السودانيين بكل قبائلنا بل أسر قلوب الخليجيين أيضا بعذب الكلمات واللحن بايقاع (المردوم) الذي وصفه أحد الكتاب المتابعين بأنه إيقاع يحاكي سير الأبقار وتشتهر به القبائل التي ترعى الأبقار، ويقابله إيقاع الجرارِي الهادى الذي يحاكي سير الإبل وينتشر في بادية شمال كردفان لدى قبائل الكبابيش ودار حامد والمجانين وحمر.
الغناء الكردفاني من أغنى وأثرى ألوان الغناء في السودان بلا منازع بتنوع ايقاعاته ومقاماته. وله نكهة خاصة لا يماثلها الا نكهة (الحلو مر) في يوم رمضاني حار. أنا من الذين تشبعت بثقافة كردفان حيث اقمت فيها أيام الدراسة في مدرسة خور طقت العريقه التي كانت تذخر بالفن والفنون والشعر والأدب وقتذاك، حتى وصل بنا الأمر الي الدخول في المسرح كطمباره في وصلة في المسرح المدرسي (للصغار الذين لا يعرفون الطمبرة هي اخراج الموسيقي بالحلق). من تلك الأيام البهية أصبحت الأغنية الكردفانية خاصة عند الفنان الكبير عبد القادر سالم تأسرني وأرددها وأستمع اليها بشغف (حليوه بسامه… الفائح نسامها… الريدة في قلوبنا والله علامة)، (الليله غاب تومى خلوني ياخلائق… نعد نجوم الليل .. نار الغرام ضايق)، (آه الليموني …والبرتكان الناير)، (اللوري حل بي… دلاني في الودي)،(مكتول هواك ياكردفان… مكتول هواك أنا من زمان). والغريب أن هذه الأغنية – كما قرأت- كتبها الأستاذ المعلم عبد الجبار عبد الله الذي كان يعمل معلما بكردفان وهو من منطقة الجيلي وايضا أغنية (عز التوب … ما لاقاني أجمل منو) التي تغني بها الفنان المرهف ابراهيم موسي أبا للشاعر الحلفاوي بشرى سليمان سعيد الذي درس بخور طقت. وكلاهما اسرته كردفان بنقاء أهلها ورمالها وخضرتها. ألم أقل لكم أن كردفان آسره. ولا أنسي الفنان الكبير صديق عباس في (ياقلبي من حالتك الفوقك الله يصبرك… كل ما يمر صباح زايد علي شوقك الله يصبرك)، (ﻣﻄﺮ ﺍﻟﺮﺷﺎﺵ ﺍﻟﺮﺷﺔ ﻓﻰ ﺩﺍﺭ ﻛﺮﺩﻓﺎﻥ ﺍﻟﻬﺸﺔ… ﺃﻧﺎ ﻋﻘﻠﻲ ﺭﺍﺡ ﻭﻃﺸﻪ ﻭﺭﻯ ﺍﻟﻤﺮﺍﺡ ﺍﻟﻨﺸﻪ ….ﺍﻟﻮﺭﺍﻩ ﺳﺎﻳﺮﺍﺕ ﻧﺎﺱ ﻋﺸﻪ). كما تاسرني أغاني الفنان الرقيق ابراهيم موسي أبا في (عيني عليك باردة … يالسمحه يالواردة…. قشيشة الخريف خضراء… شايلالها نواره.. النوم جفا عيونا… خلانا سهارا)، (ما دوامه.. الدنيا ما دوامه…. الدنيا ما بتنقدري… شايله صغيرا قدري.. في يامنام دموعي بلت صدري). وكذلك أغاني والفنان عبد الرحمن عبد الله (شقيش تقول لي ﻳﺎ ﻣﺮﻭﺡ… ﻗﺒﺎﻝ ﺻﺒﺎﺣﻨﺎ ﻳﺒﻮﺡ…. ﻭﻻ ﻣﺎ ﺑﻘﺪﺭ ﺃﺳﻴﺒﻚ….ﻗﻠﻴﺒﻲ ﺗﺸﻴﻠﺔ ﺗﺮﻭﺡ)، و (ياتومي طرينا دقات النقارة … يا تومي طرينا صفقات الطنبارة ….الحلوات بريدن بنات البقارة…. الجات واردة رهيدا من قلبي بريدا ….النديان خديدا …. و الريد البي شديدة)، وغيرها كثر لا يسع المجال لذكرها جميعا.
ما يعجبني في الايقاع والكلمات الحنية التي تبرز في الكلام الكردفاني الذي أدخله في الشعر العظماء من شعراء كردفان كفضيلي جماع وعبد الله الكاظم. نبهني الأخ الصديق الشاعر الفذ التجاني سعيد متعه الله بالصحة والعافية عندما كنت أتسامر معه بأغنية القطار المرا للشاعر عوض الكريم القرشي التي جاء فيها (القطار يتهادى… حل في وادينا … يلا نجري نشوفه المن زمان ناسينا … في السلامة سلامة… اه انا (الجنيتا) في المحطة (بكيتا) يا القطار تدشدش يا الشلت مريودي. نبهني بملاحظة الكلمتين في الأغنية (الجنيتا) و(بكيتا)، اذ أن أهلي الكرام في كردفان ولحنية منهم يزيدون الكلام بألف طالعه كما يظهر في الأغنية، ويقولون بحنية (مشيتا، وجيتا لمشيت وجيت) مما زادها حلاوة على حلاوة.
أخيرا، كنت ولا زلت أتساءل هل نضب معين كردفان من الشعر الحنين والأغاني التي تثري الوجدان وتغذي الانتماء للوطن الكبير ؟ الأمر متروك لمن هم أعرف مني بأمور الغناء والموسيقي في السودان، فأنا فقط مستمع ومتفاعل مع ثقافة بلادي الغنائية الثرة.

