جدلية صراع المركز والهامش في السودان!؟
السفير.د معاوية التوم
ليس دقيقا هذا التوصيف والتمييز بين مناطق السودان المختلفة على النحو الذي تبديه بعض النخب والكيانات السياسية عن كنه هذا الصراع باسم الهامش والمركز .وهو يحتمل بعدا سياسيا رمزيا به شي من المغالاة والمزايدة لتحقيق أطماع و مكاسب شخصية ربما أكثر منها وطنية، بالنظر الي واقع الأقاليم المختلفة بالبلاد من حيث الموارد والثروات والإنسان واستغلاله لهده الموارد. بل ليس منظور ومنطقيا ا أن ينظر اليه كسياسة ممنهجة ومتبعة من طرف ضد الآخر عندما يتعلق الأمر بقسمة الموارد وقدرة أهلها في تكييفها و الافادة منها، أو الأخذ بسهم التعليم والتقانة فيها . لذلك تظل جدلية المركز والهامش في السودان هي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، وترتبط جذورها بتركيبة السودان التاريخية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وتعود هذه الجدلية إلى الفوارق التنموية والسلطوية بين النخبة الحاكمة في المركز (الخرطوم والولايات القريبة منها أو الأقاليم الجغرافية سابقا) والمناطق الطرفية أو الهامشية التي ظلت تعاني من التهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي. والحاجة الفعلية الي خارطة طريق ومنظومة تشريعات وقوانين تعالج هذه الرواية بما يكفل الغايات المرجوة منها ويحقق الكفاية والتكامل والاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني وفق منظور قومي ومصفوفة تبادل للموارد تحفظ التوازن واستدامة التنمية لا تسييسها.
وتحرير هذه الجدلية من البعد المناطقي والجهوي والعصبيات والحميات الي ذات الوطن ومقاصده الكبرى، في اتساق مع تنوع الموارد ومصادرها ، وإمكانية تبادل المنافع والثروات لأجل إحداث النهضة والكفاية القومية بأفضل المعادلات الاقتصادية والاستراتيجيات الوطنية ، أو التجارب من حولنا في مثال الحالة السودانية بات مطلوبا بشدة بمناهج ومعرفة تعضد قيم الوحدة والتعايش.
أصل المشكلة
يرجع الصراع بين المركز والهامش إلى فترات الاستعمار وما قبله، وفق المنظور الذي قيد كل حقبة بمخلفاته. حيث ركّزت الحكومات المركزية المتعاقبة على تنمية مناطق معينة، خصوصًا الخرطوم وولايات الوسط والشمال، بينما ظلت مناطق مثل دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة، وشرق السودان في حالة تهميش اقتصادي سلعي وخدمي رغم التباين الجغرافي، التفضيلي لكل منطقة والقيمة المضافة فيه. وتراكم هذا الواقع ليصبح مضلة ما تزال تستعصي على الحل.
أبعاد الجدلية
1. البعد السياسي
• ظل الحكم في السودان مركزيًا قابضة ومتحكمة منذ الاستقلال عام 1956، مما أدى إلى تهميش العديد من المناطق خارج العاصمة الخرطوم.
• الحكومات العسكرية والمدنية المتعاقبة وفق الدراسات والتقييم ربما فشلت في تحقيق تنمية متوازنة تلبي تطلعات غمار الشعب ، مما أدى إلى نشوء الحركات المسلحة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان وحركات دارفور المسلحة المتعددة ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.
2. البعد الاقتصادي
• يظن البعض تركز الثروات والموارد في يد نخبة محددة، بينما تظل أغلب مناطق السودان تعاني من ضعف البنية التحتية، وهذا ليس صحيحا على إطلاقه .
• ربما ظلت معظم الاستثمارات تتركز في المدن الكبرى، أو هكذا يتصور ،الأمر الذي رتب إهمال المناطق الريفية والهامشية وخلق فجوة من عدم الثقة والارتياح لدى أوساط بعينها.
3. البعد الثقافي والاجتماعي
• المزاج الجمعي العام الي صف الهوية الثقافية العربية الإسلامية في غالبه، الامر الذي يعده بعضهم انه خصما على التنوع السوداني مما أدى إلى تهميش الثقافات واللغات الأخرى. أو أقعدها عن المنافسة والظهور لاسباب مختلفة
• هنالك دعاوى بالتمييز ضد بعض المجموعات العرقية يعتقد بعضهم انه متعمد و ساهم في تأجيج الصراعات الأهلية.
تداعيات الصراع
• هنالك يد خارجية تقف وراء اندلاع الحروب الأهلية مثل الحرب في جنوب السودان (قبل انفصاله)، وحروب دارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، ما تزال تؤجج هذه النزاعات. لها رؤاها ومشروعاتها في السودان واستراتيجياتها التي تجلت في بعض تمظهرات الصراع.
• فاقمت النزاعات في الجنوب ودارفور ومناطق الانقسنا وجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان . والحرب الأخيرة التي شنتها قوات الدعم السريع المتمردة تقف شاهدا على دلالات المشروع الأمني في البلاد وتجلياته الماثلة، مما أدى الي موجات و أزمة تمثلت النزوح والجرة الداخلية واللجوء بسبب العمليات العسكرية واتساع رقعة التمرد وحربه، مما أدى لتراجع التنمية وأثر على البنية التحتية.
• زيادة نسبة الفقر في العديد من المناطق المهمشة نتيجة غياب السياسات التنموية المتوازنة، واستمرار التوترات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي.
الحلول الممكنة
• تبني نظام فيدرالي حقيقي يوزع السلطة والثروة بشكل عادل ومتوازن .
• تحقيق تنمية متوازنة تكاملية لا تنافسية تشمل جميع الأقاليم، وليس فقط المركز.
• الاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي واحترامه في الهوية الوطنية، وتحقيق أقصى الفائدة من التنوع المجتمعي.
• دعم عمليات المصالحة الوطنية لضمان تحقيق العدالة الانتقالية، لابد من وعي جمعي من قبل كل الأطراف والمكونات والقوى السياسية أن تعلي من قيمة المصالحة الداخلية وتثوير العدالة والسلم المجتمعي، بحزمة من القوانين والتشريعات والمبادرات القومية
خاتمة
ترقية الفكر الجمعي على كافة المستويات الرسمية والشعبية بالفوارق التي سيطرت على مخيلة البعض في مجتمعاتنا بهذه الظاهرة ومترتباتها عبر التاريخ. تجعل منها إرثا ثقيلا يتوجب التحلل منه بمخاطبته لأجل المعالجة الجذرية لا الهروب والنفي .
وستبقى جدلية المركز والهامش في السودان حجر عثرة أمام الاستقرار واستدامة السلم المجتمعي ، وهي بحاجة لائتمار وتداعي قومي راشد مسنود بارادة سياسية مبتكرة وقادرة، تضع مصالح البلاد العليا وإنسانها على رأس الأولويات دون تمييز او مزايدة. وفق أطر تشريعية وتنظيمية في منظومة الحكم والإدارة تبتغي الإصلاح القومي ومنهجياته التي تلتمس التراضي الوطني وتوحيد الإرادة القومية وسياجها بالتنازلات والمقاربة الجمعية. لا جعل هذه الاستحقاقات مدعاة للنزاع والحروب وتكاثف تعدد جبهات الصراع وعسكرته بميلاد حركات التمرد المسلحة بدعاوى نزاع المركز والهامش.وانتشار السلاح والفوضى ومترتباتها على الأمن القومي والسلام المجتمعي بالبلاد. وإذا لم يتم معالجتها عبر سياسات حكيمة و عادلة، فستظل الأزمات السياسية والاقتصادية تتكرر في مشهدنا وتعكر صفو الاستقرار ، مما يهدد مستقبل السودان كوطن موحد. والله الموفق،،

