نحو تمتين ركائز دولة القانون والمؤسسات بالسودان!؟
السفير.د.معاوية التوم
⸻
مقدمة
التجربة السودانية في الحكم تجاوزت العقد السابع من عمرها في نظم الادارة والحكم، وهي فترة كانت جديرة وكافية لرسوخ البناء المدني الوطني وتثويره . جملة أسباب وتقلبات وتدخلات خارج السياق الإداري والقانوني، اعترضت المسيرة السياسية للبلاد وأفشلت كافة الخطى في تمكين أسس الحكم على هدى المعايير الدولية، وتجاوز المعوقات التي تحول ذلك. ويشهد السودان حاليا مرحلة انتقالية استثنائية حرجة، ومخاض عسير على خلفية الحرب والعدوان المفتوح على البلاد منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣م والهزة الكبيرة التي ضعضعته. تتطلب وضع أسس راسخة لبناء دولة ديمقراطية تحترم القانون وتُدار عبر مؤسسات فاعلة ومستقلة. إن غياب الحكم الرشيد وتآكل مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية وتراجع أداء المنظومة المدنية وارتفاع وتيرة تسييسها، ساهم في تأزيم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما يستدعي مقاربة شاملة، ومراجعة متعمقة لإرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات.
ولتأسيس ركائز دولة القانون والمؤسسات في السودان، كما في أي دولة تسعى لترسيخ الحكم الرشيد والديمقراطية، تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تهدف إلى ضمان العدالة، المساواة، واحترام حقوق الإنسان. وفي السياق السوداني، فإن هذه الركائز تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات السياسية والسعي لبناء دولة مدنية ديمقراطية. من أبرز هذه الركائز:
أولاً: تعزيز سيادةحكم القانون واستقلالية القضاء
• يجب أن يكون القانون فوق الجميع، بما في ذلك السلطات الحاكمة.
• ضرورة استقلال القضاء لضمان الفصل بين السلطات وتحقيق العدالة.
• عدم استخدام القانون كأداة قمع أو تسوية سياسية.
• إصلاح منظومة العدالة بما يضمن الفصل التام بين السلطات الثلاث.
• تأمين استقلال القضاء مالياً وإدارياً وتشريعياً.
• وضع آليات شفافة لتعيين وترقية القضاة بعيداً عن المحاصصة السياسية.
• تفعيل الرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية.
• وجود سلطات تنفيذية، تشريعية، وقضائية منفصلة ومتكاملة.
• كل سلطة تعمل ضمن حدود صلاحياتها الدستورية دون تغول على الأخرى.
• المساواة بين المواطنين أمام القانون بغض النظر عن العرق أو الدين أو النوع.
• تمكين الفئات المهمشة وضمان مشاركتها في الحياة العامة
، إعداد دستور يعبر عن الإرادة الجماعية للشعب السوداني ويعالج قضايا الهوية، السلطة، والثروة.
• يضمن الدستور الحقوق والحريات ويحدد شكل الحكم بشكل واضح
ثانياً: بناء وتحديث المنظومة القانونية
• مراجعة كافة القوانين والتشريعات لتتسق مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
• سن قوانين واضحة ومتاحة للمواطنين لتعزيز الشفافية والمساءلة.
• تفعيل دور المجلس التشريعي في الرقابة على سن القوانين وتعديلها.
ثالثاً: مكافحة الفساد
• إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد تتمتع بالصلاحيات والموارد الكافية.
• تعزيز الشفافية في الصفقات العامة، والتوظيف، واليات التعيين وإدارة الموارد.
• حماية المبلغين عن الفساد وتفعيل آليات الرقابة الشعبية والإعلامية.
مكافحة الفساد من خلال مؤسسات رقابية مستقلة وفعالة.
• مساءلة المسؤولين عن أفعالهم أمام القانون والمؤسسات الشرعية
رابعاً: إعادة بناء مؤسسات الدولة
• إعادة هيكلة الخدمة المدنية على أساس المواطنة والكفاءة والنزاهة لا الولاءات السياسية.
• تقوية مؤسسات الرقابة والمحاسبة (المراجع العام، ديوان الحسبة، البرلمان).
•
. تعزيز نظم الرقابة الداخلية والخارجية على الأداء.
توفير التدريب وبناء القدرات للكوادر الحكومية.
خامساً: نشر الثقافة القانونية والمواطنة الفاعلة
• حرية التعبير، التنظيم، التظاهر السلمي، وحرية الإعلام.
• ضمان الحريات الدينية والاعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي
• تضمين مبادئ القانون وحقوق الإنسان في المناهج الدراسية.
• إطلاق حملات توعية شعبية بأهمية دولة القانون.
• دعم المجتمع المدني في أدواره التوعوية والرقابية.
سادساً: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
• اعتماد مسار عدالة انتقالية يعالج انتهاكات الماضي ويُحقق الإنصاف للضحايا.
• إشراك كافة مكونات المجتمع في حوار وطني شامل لتحديد أسس بناء الدولة.
• ضمان عدم الإفلات من العقاب لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
. تشجيع المبادرات والتسويات الوطنية لضمان تثبيت الاستقرار
خاتمة
من خلال هذا السرد لخلفيات الأوضاع المؤسساتية وسيادة القانون ، والتطلع لصونها وحمايتها وتمتينها . نحن بحاجة لارادة سياسية وعزيمة فاعلة ونافذة لاستنهاض هذا الواقع لتثبيت مطلوبات دولة القانون والمؤسسات بالبلاد، بصرامة تقوم على الدستور والقانون وفاعلية التنفيذ والرقابة. وعلى هدى شراكة رسمية ومجتمعية تستصحب عبر التاريخ فيما سطرته الأقدار من عقبات. ليس من وسيلة لإنعاش الحياة العامة وتحقيق الرقي في مدارج الحكم والإدارة دون التزام صارم بضوابطه وركائزه.التي تقوم عليها نهضة البلدان عالميا. هذه المنظومة من الأسس والسمات العامة هي لوازم مرجعية. لهذا البنا نعيد سردها لاتباعها والأخذ بها في حاضر ومستقبل أيامنا. إن تمتين دعائم دولة القانون والمؤسسات في السودان يمثل المدخل الحقيقي لبناء وطن آمن ومستقر يسوده العدل والمساواة. ويتطلب ذلك إرادة سياسية جادة، وشراكة بين مختلف الفاعلين الوطنيين، والمؤسسات، بمعايير واليات لحماية هذه الأسس المرعبة، والتي هي بحاجة ايضا الي الدعم الإقليمي والدولي المتوازن لبعيد لمؤسسات الحكم وضعيتها ويقود لدولة القانون التي نتطلع.

