المسارات المستقبلية للمساءلة الجنائية في الحالة السودانية: المحكمة الجنائية الدولية، الولاية القضائية الأوروبية، ودور الإمارات!؟
السفير.د.معاوية التوم
مقدمة
وصلا لما أوردناه في المقال السابق عن دلالات قرار محكمة العدل الدولية بالرفض الشكلي الإجرائي لشكوى السودان ضد الإمارات ومآلات المستقبل، ما جرى لم ينهي حق البلاد في المضي الي الخيارات الأخري . واستكمالها للفرص النادرة أمامها على خلفية التصعيد الجاري ميدانيا اي ما يعرف بحرب المسيرات الانتحارية والاستراتيجية ومنظوماتها، والتي قد تجعل أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة والتجارة عبره في مهب الريح .. خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار ما يجري قبلا بين الحوثيين وأمريكا وإسرائيل مؤخرا. فان الحالة السودانية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا بعد تصاعد الحرب نوعيا باستهداف بورتسودان ل ٣ ايام متتالية بعمل ارهابي منظم طال المطار ومنشآت الوقود، وأعيان مدنية وسط اتهامات مباشرة لأطراف إقليمية على رأسها الإمارات التي تلعب أدوارا محورية في تمويل أو تسليح قوات الدعم السريع الارهابية. في هذا السياق، تكتسب مسارات العدالة الجنائية الدولية أهمية إضافية، لا لملاحقة الفاعلين المحليين فحسب، بل لفحص الدور المحتمل للدول الخارجية في تأجيج الحرب أو التواطؤ في الجرائم الدولية. وتطرح هذه المقالة سؤالًا محوريًا: إلى أي مدى يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أو الأنظمة القضائية الأوروبية – التي تطبق مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي -( Universal Jurisdiction)، أن تُلاحق مرتكبي الجرائم في السودان، بمن فيهم الداعمون الخارجيون المحتملون!؟
أولاً: المحكمة الجنائية الدولية وإشكالية المواقف السياسية
رغم أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك ولاية تلقائية على دولة مثل الإمارات (غير الموقعة على ميثاق روما)، إلا أنها تملك الحق في التحقيق بمدى مسؤولية أي طرف خارجي ساهم ماديًا أو لوجستيًا في تسهيل ارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاصها، إذا ثبت وجود:
• تواطؤ مباشر أو غير مباشر.
• علم مسبق بأن الدعم سيُستخدم في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
في حالة السودان، ومع تصاعد تقارير أممية وحقوقية وإعلامية تفيد بـ”نقل أسلحة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع”، عبر تشاد وأفريقيا الوسطى وأرض الصومال وليبيا تبرز إمكانية أن تقوم المحكمة بـ:
1. توسيع التحقيق ليشمل الجهات الممولة والمسلحة
يمكن للمدعي العام أن يفتح خطوط تحقيق موازية لاستقصاء دور الفاعلين الإقليميين، مثل الإمارات، في تأمين السلاح أو الأموال لأطراف ارتكبت انتهاكات جسيمة، مثل جرائم الإبادة في الجنينة وزالنجي وغيرها من مدن وقرى البلاد.
2. طلب معلومات وتعاون دولي
يمكن أن تطلب المحكمة من الأمم المتحدة، أو عبر آلياتها الخاصة، فتح قنوات تعاون أو مساءلة غير مباشرة من خلال تتبع شبكات الإمداد المرتبطة بالجرائم.
ثانيًا: القضاء الأوروبي وديناميكية الاختصاص العالمي ضد الجهات الداعمة
تملك عدة دول أوروبية صلاحيات واسعة في إطار ما يُعرف بـ”الاختصاص الجنائي العالمي”، ليس فقط تجاه الجناة المباشرين، بل أيضًا تجاه الأطراف التي ساهمت في تسهيل أو تمويل الجرائم، إذا توفرت أدلة كافية.
1. ال كي ملاحقة المحتملة لمؤسسات أو أفراد في الإمارات
في حال ثبوت أن شركات أو جهات في الإمارات قدّمت دعمًا مباشرًا لقوات ارتكبت جرائم موثقة (مثل التطهير العرقي في غرب دارفور او الإبادة الجماعية )، فإن الادعاء الأوروبي يمكن أن يفتح تحقيقات ضد تلك الكيانات أو ممثليها، وما اكثر الأدلة التي تمتلكها الدولة، خاصة إذا كان لهم تعاملات مالية أو مصرفية تمر عبر أوروبا، أو يمتلكون أصولًا في دول أوروبية.
2. استخدام شهادات ضحايا ولاجئين في أوروبا والمهاجر
الجاليات السودانية في أوروبا تُعد مصدرًا مهمًا للشهادات، وقد تساعد هذه الشهادات في رسم صورة لدور الدول الخارجية، بما في ذلك تحديد شحنات الأسلحة أو الدعم الفني والتقني الذي ساهم في الجرائم وخطوط الامداد والطيران.يمكن ان يستفاد من المهاجر المحتملة بتخطيط وإشراف ودعم وطني عبر مكاتب قانونية دولية محترفة .
3. دعوات لتفعيل العقوبات ومذكرات التوقيف الدولية
يمكن استخدام مخرجات التحقيقات الأوروبية كمقدمة لتفعيل مذكرات توقيف بحق أفراد أو مسؤولين عن الشركات المصدّرة للسلاح، في حال ثبوت تورطهم في دعم أطراف ارتكبت جرائم حرب.
تحديات تطبيق المسارين
رغم الأهمية القانونية لهذين المسارين، إلا أن التحديات السياسية والقانونية تبقى حاضرة، ومنها:
• ربما غياب التعاون الرسمي من السلطات السودانية حاليا.
• تعقيدات المشهد الميداني وغياب الوصول الميداني المباشر.
• التباين في سياسات الدول الأوروبية تجاه مبدأ الولاية القضائية العالمية
ثالثًا: موقف حكومة السودان من الإمارات
هذه تصور لدى البعض كاشكالية تحتاج لمزيد من الاستجلاء والوضوح والصدع بتوجيه الاتهام المباشر للإمارات من قبل الدولة، رغم أن السودان رسميا يدين – وظاهريًا كل ما تقوم به من تدخل في الشأن الداخلي ودعم للتمرد وأعوانه، والشكاوى التي رفعت بمحكمة العدل الدولية وبمجلس الأمن.إلا أن الموقف من الإمارات فيما تراه بعض الأطراف الداخلية والإعلام الوطني لابد له أن يتطور ويخرج من القالب الدبلوماسي والحذر السياسي،لاسباب واعتبارات تراها قيادة البلاد، ليتوازى مع صوت المعركة، ليشكل تيارا وطنيا اضافيا ووحدة جمعية وجدانية في تسمية العدو الأكبر للبلاد. معلوم هنالك تقديرات مرحلية وتوازنات القوى في الإقليم ولكنها بلا شك تصيب الالتفاف الوطني المطلق في دعم القوات المسلحة وخفض وتيرة الاستنفار. ونظرا للتطورات التي طالت البلاد بالحريق والدمار للبنيات المدنية والمنشآت الحيوية والاستراتيجية ، ومع تزايد الضغط الشعبي والإعلامي داخل السودان، فإن الموقف السوداني قد يتطور باتجاه التصعيد السياسي ضد الإمارات، وطلب المساءلة الدولية المباشرة، خاصة بتغيّر ميزان القوى و ظهور بوادر حكومة مدنية في طريقها للتشكل .
خاتمة
ان الزخم السياسي والعالمي لأضرار الحرب وإفرازاتها ينبغي أن يصعد على كافة المستويات . وإن مسارات العدالة الدولية في الحالة السودانية تتجاوز الأبعاد التقليدية التي تحصر الجريمة في حدودها الوطنية. فالدعم الخارجي – خصوصًا من الإمارات وغيرها واستمرارهم في التصعيد ، بحسب ما تشير إليه عدة تقارير – يُعيد تشكيل بنية المسؤولية القانونية لتشمل الفاعلين الإقليميين. وفي ظل تعذر العدالة المحلية حاليا ، تبقى كل من المحكمة الجنائية الدولية والأنظمة القضائية الأوروبية هي الأدوات الوحيدة القادرة على التصدي للإفلات من العقاب، سواء على مستوى الجناة المباشرين أو على مستوى الداعمين الدوليين. وتبقى الحكمة قائمة بأن العدالة الدولية ليست قدرًا محتومًا، وليست العدالة الوطنية وهمًا مستحيلًا. يمكن للسودان، إن وُجدت الإرادة السياسية والشفافية المؤسسية، أن يُشيّد مسارًا وطنيًا بديلاً عن المؤسسات الدولية، ومنفتحا على الاختصاص العالمي ، قائمًا على سيادة القانون، حقوق الضحايا، والمسؤولية المتوازنة. ويدعم تعاقداته القانونية القائمة بخبراء ومسهلين دوليين . هذا المسار، كما يقول بعض الخبراء في القانون الجنائي والعدالة الدولية، إن كُتب له النجاح، لن يُحقق العدالة فحسب، بل سيفتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية تبني السلام من الداخل ولا تُفرض من الخارج وتأثره بالسياسة والنفوذ، بل وأجنداته المفخخة ومشروعاته التي استهدفت أمن البلاد وإنسانها ومواردها . ولنا عودة .

