تسارع الانضمام و التساؤلات المحيرة
(الضايق عض الدبيب بخاف من مجر الحبل)
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
في تطور لافت ومثير للانتباه بدأت تتزايد خلال الفترة الأخيرة وتيرة انضمام بعض قيادات وعناصر مليشيا الدعم السريع إلى جانب الدولة والقوات المسلحة السودانية وسط تصريحات متباينة ومواقف تحمل في ظاهرها مراجعات سياسية وعسكرية ولكنها في باطنها تفتح أبوابا واسعة ومشروع للتساؤلات والتحليل والتوجس المشروع،
هذا المشهد لا يمكن قراءته بسطحية أو بعاطفة الحرب إنما يحتاج إلى قراءة استخباراتية وسياسية واقتصادية ونفسية عميقة خاصة وأن الحرب السودانية تجاوزت منذ وقت مبكر حدود المواجهة العسكرية التقليدية وأصبحت حرب مصالح وشبكات نفوذ وتحالفات إقليمية ودولية معقدة لذا نطرح هذه التساؤلات
*السؤال الأول:*
لماذا بدأت بعض القيادات في القفز من مركب الدعم السريع الآن؟
الإجابة الأقرب للمنطق أن كثيرا من هذه القيادات بدأت تدرك أن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف الطويل وأن موازين القوى بدأت تتحول بصورة تدريجية لصالح الدولة السودانية خاصة بعد تماسك القوات المسلحة و الدعم الشعبي خلفها وعودة جزء من مؤسسات الدولة للعمل واستعادة بعض المناطق الاستراتيجية، كما أن بعض القيادات الميدانية ربما بدأت تشعر بأن المشروع الذي دفعت نحوه المليشيا لم يعد يمتلك ذات الزخم السياسي أو العسكري أو حتى الإقليمي الذي كان متوقعا في بداية الحرب وأن سقف الطموحات الذي رسم لهم أصبح أكثر صعوبة في التحقيق، و عادة في الحروب عندما تبدأ القيادات في التفكير في مرحلة ما بعد الحرب فإن أول ما تبحث عنه هو النجاة الشخصية قبل أي شيء آخر.
*السؤال الثاني:*
هل هذه الانضمامات تعبر عن مراجعات حقيقية أم أنها إعادة تموضع تكتيكي؟
هنا تكمن أخطر نقطة في المشهد، حيث ليس من السهل الجزم بأن كل من يعلن الانضمام قد غادر فعلا المشروع السابق فكريا و تنظيميا وأمنيا فالحروب الحديثة تعتمد كثيرا على الاختراقات الناعمة وإعادة التموضع والعمل من الداخل، ولربما قد يكون بعض المنضمين بالفعل قد اكتشفوا حجم الكارثة التي الحقتها الحرب بالسودان فقرروا العودة إلى حضن الوطن حفاظا على ما تبقى من البلاد ولكن في المقابل لا يمكن استبعاد احتمال وجود عناصر تسعى إلى الدخول الآمن أو إعادة بناء نفوذ جديد تحت غطاء مختلف ،ولذلك فإن الحذر هنا لا يعني رفض التوبة أو إغلاق الباب أمام العودة الوطنية، لكنه يعني أن تدار العملية بعقل الدولة لا بعاطفة السياسة.
*السؤال الثالث:*
هل فقد الدعم السريع مصادر تمويله ودعمه الخارجي؟
هذا احتمال وارد بقوة، أي قوة مسلحة غير نظامية تعتمد بصورة أساسية على التمويل والإمداد والدعم السياسي الخارجي وعندما تبدأ خطوط الدعم في التراجع أو تصبح مكلفة سياسيا للداعمين تبدأ التصدعات الداخلية بالظهور سريعا على السطح، الحرب الطويلة تستنزف الأموال والذخائر والتحالفات وحتى الصورة الإعلامية، ومن الواضح أن البيئة الإقليمية والدولية أصبحت أكثر تعقيدا و تغيرت فيها المصالح و خاصة بعد حرب الشرق الاوسط،كما أن استمرار الحرب دون حسم خلق حالة من الإرهاق حتى لدى بعض الأطراف التي كانت تراهن على نتائج سريعة، كثير من القيادات الميدانية تقرأ هذه المتغيرات جيدا وتدرك أن السفينة التي تفقد مصادر الوقود تبدأ تدريجيا في التوقف والغرق ولذلك يحاول البعض القفز قبل الوصول إلى لحظة الانهيار الكامل.
*السؤال الرابع:*
هل يمكن أن تكون هذه الانضمامات جزء من لعبة جديدة أو تسوية مبطنة؟
في السياسة والحروب لا توجد براءة كاملة ولا يمكن استبعاد أي سيناريو فبعض القوى الإقليمية والدولية ربما بدأت تبحث عن إعادة تدوير بعض الشخصيات والقيادات ضمن ترتيبات مستقبلية تحفظ لها مصالحها داخل السودان خاصة بعد ما شعرت بأن خيار الحسم العسكري الكامل أصبح صعب أو مكلف للغاية .
وهنا يصبح السؤال الأهم هل هذه الانضمامات فردية ناتجة عن انهيار داخلي حقيقي؟ أم أنها جزء من عملية إعادة إنتاج للمشهد بصورة جديدة؟ فالإجابة تحتاج إلى وقت ولكنها تحتاج أيضا إلى يقظة أمنية واستخباراتية عالية لأن أخطر المراحل لاتعد مرحلة المواجهة المباشرة و إنما مرحلة الاختراق الهادئ وإعادة التموضع.
*السؤال الخامس:*
لماذا تبدو هذه الانضمامات محيرة للرأي العام السوداني؟
لأن المواطن السوداني عاش خلال هذه الحرب صدمات كثيرة و كبيرة وشاهد حجم الانتهاكات والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي والاجتماعي ولذلك أصبح ينظر لأي تحولات مفاجئة بعين الشك والحذر المتخوف، فالراي العام يتساءل كيف يتحول بعض من كانوا في قلب المعركة فجأة إلى دعاة سلام أو داعمين للدولة؟ وهل هي قناعة حقيقية أم محاولة للنجاة من الحسابات القادمة؟
وهنا يحضرني مثلنا السوداني:
(الضايق عض الدبيب بخاف من مجر الحبل)، وهو مثل يعكس الحالة النفسية العامة للمواطن الان الذي أصبح يتعامل بحذر حتى مع الإشارات الإيجابية بسبب قسوة التجربة التي عاشها خلال الحرب.
*السؤال السادس* :
كيف يجب أن تتعامل الدولة مع هذه الظاهرة؟
الدولة لا تدار بردود الأفعال و يجب أن تتعامل بالمؤسسات.
ومن المعروف أن القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية والأمنية السودانية تمتلك خبرات تراكمية طويلة ومهنية عالية في التعامل مع الملفات المعقدة، لكن المرحلة الحالية تحتاج إلى معادلة دقيقة جدا تجمع بين:
الاستفادة من أي انشقاقات تضعف المليشيا.
و فتح الباب لمن يريد العودة الحقيقية للدولة.
وفي نفس الوقت عدم التفريط في معايير الأمن القومي.
وإخضاع كل الحالات للتقييم والتحليل والرقابة الدقيقة.
فالحروب لا تنتهي بالبندقية وانما تنتهي أيضا بإدارة ذكية لمرحلة ما بعد الحرب.
المشهد السوداني الحالي يحمل مؤشرات متعددة و متضاربة في آن واحد، قد تكون الانضمامات الحالية بداية لانهيار تدريجي داخل بنية مليشيا الدعم السريع نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية وقد تكون أيضا جزء من إعادة ترتيب أوراق معقدة لم تتضح ملامحها بالكامل بعد، لكن المؤكد أن السودان دخل مرحلة جديدة من الحرب مرحلة تتحرك فيها المعارك بصمت داخل العقول والغرف المغلقة والتحالفات الخفية وليس فقط في الميدان، ولهذا فإن قراءة المشهد تحتاج إلى الهدوء والحكمة والوعي وعدم الانسياق وراء الانفعالات السريعة لأن الدول التي تمر بالحروب الطويلة لا تسقط بسبب سوء قراءة التحولات التي تحدث أمامه.

