كيف يمكن للسودان أن يستعيض عن المؤسسات الدولية بمسار قانوني وطني ناجح وفعال !؟
السفير.د.معاوية التوم
مقدمة
منذ اندلاع الحرب المفروضة على السودان، في ٢٠٢٣م ، ومع تزايد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تعالت الأصوات خارجيا بالمطالبة بتدخل المحكمة الجنائية الدولية والنظم القضائية الدولية الأخرى لمساءلة مرتكبي الجرائم. وهذا تجه يحمل اكثر من وجهة، وبه منزلقات قانونية .لكن في المقابل، ولذلك أسوق هذه الفكرة لأهل الشأن والاختصاص في سياق بحثنا عن الفرص النادرة للسودان في التعامل العدلي مع جنرالات الحرب ومناصريهم بالداخل والخارج.. هناك مواقف وطنية ترى أن العدالة الدولية أصبحت مسيّسة، وأنها قد تُستخدم كأداة للابتزاز الخارجي أو النيل من السيادة الوطنية والأمن القومي للبلاد. في هذا السياق، يصبح السؤال المحوري: هل يمكن للسودان أن يستعيض عن المؤسسات الدولية بمسار وطني حقيقي للمساءلة والعدالة؟ ويحقق أهداف العدالة والسيادة معا، وإن أمكن، فما الشروط والضمانات الكفيلة بفاعلية ونجاعة هذا البديل؟
أولاً: دوافع الاستعاضة عن المؤسسات الدولية
1. استعادة السيادة القانونية: رفض إخضاع القضاء الوطني لإملاءات خارجية.
2. تقليل التسييس والتدخل الدولي في العدالة.
3. خلق ثقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا في حالات ما بعد الحرب.
4. حماية السلم الأهلي عبر إدارة العدالة ضمن سياق محلي وطني متوازن.
ثانيًا: مقومات بناء مسار عدالة وطني بديل وناجح وفعال.
1. الإرادة السياسية النزيهة
• لا يمكن لأي مسار وطني أن ينجح ما لم تكن هناك إرادة سياسية صادقة وجادة في محاسبة جميع الأطراف دون انتقائية.
• ضرورة توفر قيادة مدنية انتقالية تملك تفويضًا رسميا و شعبياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء.
2. إصلاح جذري للسلطة القضائية
• إنشاء مجلس قضاء مستقل، يضم قضاة نزيهين، بعيدًا عن تأثير الأجهزة الأمنية والعسكرية، وبلادنا تمتلك رأسا وافرا في هذه الناحية.
• إعادة هيكلة النيابات العامة وفق معايير النزاهة، والشفافية وضمان استقلال المدّعين العامين، وسيادة القانون.
3. تأسيس محكمة وطنية للعدالة الانتقالية
• إنشاء محكمة سودانية مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تعمل وفق المعايير الدولية.
• إشراك خبراء إقليميين ودوليين بصفة فنية واستشارية، دون أن ينتقص ذلك من الطابع الوطني للمحكمة.
4. سنّ قانون عدالة انتقالية شامل
• قانون يراعي معايير العدالة الدولية (مستمد من اتفاقيات جنيف، نظام روما الأساسي، وتجارب الامم من حولنا إلخ).
• يتضمن:
• حق الضحايا في معرفة الحقيقة
• حقهم في التعويض
• آليات التوثيق والمساءلة
• الحصانات المؤقتة المشروطة ضمن إطار المصالحة والحقيقة.
5. إشراك المجتمع المدني والضحايا
• تمكين منظمات المجتمع المدني الوطنية وترقيتها في فهم و رصد وتوثيق الانتهاكات.
• إنشاء صندوق وطني لتعويض الضحايا.
• فتح قنوات حوار مع ضحايا الانتهاكات لتعزيز مصداقية المسار الوطني.
ثالثًا: آليات الدعم الخارجي غير القضائي
• بدلاً من تدخل المحكمة الجنائية، يمكن للسودان طلب:
• مساعدات تقنية من الأمم المتحدة لتطوير البنية القضائية.
• شراكات مع مراكز العدالة الانتقالية الدولية وبيوت الخبرة للتدريب وبناء القدرات ورفع الكفاءة.
• وساطة دولية لمساعدة جهود المصالحة لا القضاء.
رابعًا: التحديات المتوقعة
1. هنالك اشكالية ثقة حول النظام السياسي الحالي مع المؤسسات الدولية بحاجة لترميم وضمانات وانخراط.
2. الضغط الدولي لصالح العدالة الدولية في ظل الجرائم المستمرة.
3. ضعف البنية القضائية في ظل الحرب والانقسام المؤسسي.
4.غياب الإجماع الوطني الشعبي بحاجة لمخاطبة وتأسيس
لكن هذه التحديات ليست عائقًا مطلقًا، بل محفزًا لبناء بدائل نابعة من الواقع المحلي ومقاربات تأسس لهذه التجربة والسودان يمتلك الوعي ومعقوليتها ونجاحها.
تجارب دولية في العدالة الانتقالية
شهدت دول عدة تجارب متميزة في بناء عدالة وطنية فعالة عقب الحروب او النزاعات أو التحولات السياسية. في جنوب أفريقيا، أُنشئت “لجنة الحقيقة والمصالحة” عام 1995 كآلية كشف ومصارحة بديلاً عن العقاب القضائي الشامل، وأسهمت في تهدئة الاحتقان المجتمعي رغم انتقادات تتعلق بالإفلات من العقاب. أما رواندا، فاعتمدت على محاكم “الجاتشا” التقليدية لمحاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية عام 1994، ما أتاح تسريع العدالة في المجتمعات، لكنه أثار مخاوف بشأن ضمانات المحاكمة العادلة. في شيلي، تم اللجوء إلى لجان تقصي الحقائق ومحاكمات محدودة بعد انتهاء حكم بينوشيه، مع التركيز على إصلاح النظام القضائي تدريجيًا. تونس بدورها أسست “هيئة الحقيقة والكرامة” بعد ثورة 2011 لكشف الانتهاكات وتعويض الضحايا، غير أن التباطؤ في التنفيذ وغياب الإرادة السياسية أضعف جدواها. ومن جهة أخرى، طبّقت كولومبيا نموذجًا مختلطًا ضمن اتفاق السلام مع جماعة الفارك، يجمع بين العدالة والمصالحة، من خلال إنشاء محاكم خاصة تضمن الاعتراف بالذنب مقابل تخفيف العقوبات، في تجربة تُعد من الأكثر تعقيدًا وتكاملاً في العدالة الانتقالية الحديثة.
خاتمة
العدالة الوطنية ركيزة شامخة ومنصة مهمة لاعادة البناء الوطني المستقبلي وفق أر قومية مدرك للتحديات التي تحيط بالبلاد وقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية ومصادرة الحق الوطني في الإمساك بزمام المبادرة .في المقابل ليست العدالة الدولية قدرًا محتومًا، وليست العدالة الوطنية وهمًا مستحيلًا. يمكن للسودان، إن وُجدت الإرادة السياسية والشفافية المؤسسية، والثقة في الرصيد التاريخيّ الحافل للبلاد لجهة القانون والخبرات الوطنية، أن يُشيّد مسارًا وطنيًا بديلاً عن المؤسسات الدولية، قائمًا على سيادة القانون، حقوق الضحايا، والمسؤولية المتوازنة.؛ بل يمكن أن تكون سودانية في الشكل، دولية في المعايير، محلية في الروح، وعالمية في المصداقية. هذا المسار، إن كُتب له النجاح، لن يُحقق العدالة فحسب، بل سيفتح الباب أمام مصالحة وطنية حقيقية تبني السلام من الداخل لا تُفرض من الخارج.
خاتمة
ل الاستعاضة عن المحكمة الجنائية الدولية لا تعني الهروب من العدالة، بل تعني بناء نموذج وطني سيادي مستقل، نابع عن فهم عميق وعزيمة وطنية تستشرف المستقبل وإخراج البلاد الي جادة دولة القانون والمؤسسات بمساعدة المكاتب القانونية الدولية المحترفة، لا تحت وصايتها. وإذا نجح هذا النموذج، فقد يتحوّل إلى تجربة ملهمة لأفريقيا والعالم العربي بأسره.
التوصيات
1. إصدار إعلان سياسي يلتزم بالعدالة الوطنية المستقلة.
2. دعوة مكتب قانوني دولي محترف للتوقيع على مذكرة تفاهم مع الحكومة الانتقالية.
3. تأسيس لجنة مشتركة (قانونية – حقوقية – حكومية) لصياغة قانون العدالة الانتقالية.
4. تقديم هذا المسار كبديل دولي معترف به لوقف أي إحالة محتملة للسودان للمحكمة الجنائية الدولية.
5. الشروع الفوري في جمع الأدلة وتوثيق الجرائم وفق معايير الأدلة الجنائية الدولية.

