تبدّلت الحرب من ميادين القتال إلى الاقتصاد
(قراءة تحليلية في الحرب الاقتصادية ضد السودان)
بقلم مستشار : أحمد حسن الفادني
لم تعد الحروب الحديثة تقاس فقط بعدد المعارك العسكرية أو بحجم الدمار المادي المباشر حيث أصبحت تدار عبر أدوات أكثر تعقيدا وأشد تأثيرا على استقرار الدول والمجتمعات حيث انتقلت مراكز الصراع من ساحات القتال التقليدية إلى الاقتصاد ،وأصبح استنزاف الدولة يتم عبر إنهاك مواردها المالية وتعطيل الإنتاج وتدمير سلاسل الإمداد وضرب الثقة في العملة الوطنية وافقاد المجتمع قدرته على التكيف والاستقرار وذلك ظهر جليا في الحالة السودانية حيث تبدو هذه الحرب الاقتصادية اليوم أكثر وضوحا وخطورة من أي مرحلة سابقة بعد أن تحول الاقتصاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الهشاشة.
إن ما يواجهه السودان حاليا لا يمكن توصيفه باعتباره أزمة اقتصادية تقليدية مرتبطة بضعف السياسات المالية أو اختلالات الإدارة الاقتصادية فقط وإنما هو حالة استنزاف اقتصادي مركب نتجت عن الحرب، وانهيار كامل البنى التحتية وتعطل مراكز الإنتاج وتآكل الإيرادات وارتفاع فاتورة الإنفاق إلى جانب اضطراب الأسواق، و اتساع رقعة الاقتصاد الموازي وانخفاض قدرة الدولة على التحكم لخفض معدلات التضخم و انهيار العملة المحلية.
لقد أدت الحرب إلى شلل واسع في القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والخدمات والنقل وهي القطاعات التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد قادر على الاستمرار،كما ساهمت حالة النزوح الواسعة وفقدان الأمن والاستقرار في خروج أعداد ضخمة من القوى العاملة والكوادر المهنية من دائرة الإنتاج الأمر الذي أضعف الطاقة التشغيلية للاقتصاد بصورة غير مسبوقة. وفي ذات الوقت، تعرضت البنية التحتية الاقتصادية لضربات مباشرة وغير مباشرة، شملت الموانئ والطرق والمخازن والأسواق والمصارف والمؤسسات الإنتاجية، مما عمق حالة الانكماش الاقتصادي وأدخل البلاد في دائرة ركود تضخمي معقد.
وتبرز أخطر مظاهر الحرب الاقتصادية في الانهيار المستمر للقيمة الحقيقية للعملة الوطنية حيث أصبح الجنيه السوداني يواجه ضغوطا هائلة نتيجة انخفاض الصادرات وتراجع تدفقات النقد الأجنبي واتساع المضاربات في سوق العملات وارتفاع الطلب على الدولار باعتباره ملاذا آمنا. ومع غياب الاستقرار السياسي و الأمني، أصبحت السياسات النقدية محدودة التأثير، لأن أي أدوات مصرفية أو مالية لا يمكن أن تنجح في بيئة يسيطر عليها الخوف وعدم اليقين.
كما أن الاستهداف المباشر على السودان وفي امنه و اقتصاده من قوى إقليمية تتمثل في دعم دويلة الامارات لكل من يخرب السودان في امنه و إقتصاده و حدث ذلك بالتزامن مع انخفاض الإيرادات العامة ودفع الدولة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على التمويل بالعجز وهو ما أدى إلى زيادة الكتلة النقدية دون وجود غطاء إنتاجي حقيقي فارتفعت معدلات التضخم بصورة أرهقت المواطن و أضعفت القدرة الشرائية و وسعت دائرة الفقر. وأصبح المواطن السوداني اليوم يواجه حربا معيشية يومية تتمثل في ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والطاقة والخدمات الأساسية بينما تتراجع الدخول الحقيقية بصورة مستمرة.
ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة لمحاولة تثبيت الوضع الاقتصادي ومنع الانهيار الكامل إلا أن الواقع يشير إلى أن تلك الجهود ما زالت تتحرك في إطار إدارة الأزمة أكثر من صناعة المعالجة الجذرية، فالمعالجات الحالية تركز غالبا على احتواء الآثار المباشرة بينما تحتاج البلاد إلى رؤية اقتصادية طارئة تقوم على إعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتفعيل أدوات الرقابة والسيطرة على الأسواق ووقف النزيف المستمر في الموارد الوطنية.
إن الاقتصاد السوداني اليوم يقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة بسبب غياب النموذج الاقتصادي القادر على امتصاص الصدمات، فالاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج وعلى النشاط الريعي أكثر من التصنيع وعلى المعالجات الوقتية أكثر من التخطيط الاستراتيجي يصبح اقتصادا هشا أمام أي اضطرابات سياسية أو أمنية.
ومن الناحية السياسية فإن استمرار التدهور الاقتصادي يحمل مخاطر أكبر من مجرد الانكماش المالي لأنه يهدد الاستقرار الاجتماعي و الأمني للدولة والتاريخ يؤكد أن الانهيارات الاقتصادية الحادة غالبا ما تنتج عنها اضطرابات اجتماعية واسعة وتآكل في شرعية المؤسسات، وارتفاع في معدلات الجريمة والهجرة والانفلات الاقتصادي، وهو ما يجعل الاقتصاد أحد أهم محددات الأمن القومي في المرحلة الحالية.
وفي المقابل ما يزال السودان يمتلك فرصا حقيقية للخروج من دائرة الانهيار إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواقعية. فالبلاد تمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية ضخمة إضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي يمكن أن يجعلها مركزا إقليميا للإنتاج والتجارة إذا أعيد بناء مؤسسات الدولة بصورة صحيحة ولكن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية بناء الاقتصاد المقاوم القائم على الإنتاج والقيمة المضافة والاكتفاء النسبي.
إن المطلوب اليوم هو بناء جبهة اقتصادية وطنية قادرة على حماية ما تبقى من الاقتصاد السوداني عبر سياسات عاجلة تشمل دعم الإنتاج المحلي وتوجيه الموارد نحو القطاعات الحيوية ومحاربة التهريب والفساد و المضاربات وإعادة هيكلة النظام المصرفي وتفعيل الشراكات الإقليمية القائمة على المصالح الاقتصادية الحقيقية، إضافة إلى تبني مشروع وطني للإعمار الاقتصادي يربط بين الأمن والتنمية والاستقرار.
لقد تبدلت الحرب فعلا من ميادين القتال إلى الاقتصاد وأصبح المواطن السوداني هو خط الدفاع الأخير في مواجهة الانهيار ومع تعقد المشهد فإن مستقبل السودان لن تحدده فقط نتائج المعارك العسكرية انما ستحدده قدرة الدولة على استعادة عافيتها الاقتصادية لأن الدول لا تسقط فقط بالرصاص أو الانقلابات و غيرها و إنما تسقط أيضا عندما تستنزف قدرتها على الإنتاج والبقاء.
فلتكن للحكومة إرادة قوية و تضرب بيد من حديد كل من يساهم في تخريب الاقتصاد كما فعلت مع من خرب بقوة السلاح
(افتكر الرسالة وصلت)

