التنمية المستدامة والإحصاء السكاني في السودان: التحديات وآفاق المستقبل!؟
السفير.د.معاوية التوم
تواجه التنمية المستدامة في السودان عقبات معقدة ومتشابكة، تتصل بشكل مباشر بضعف نظم البيانات السكانية والإحصائية. فبينما تُعد التنمية المستدامة هدفًا استراتيجيًا يسعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات المستقبل، فإن نجاحها مرهون بوجود بيانات دقيقة وموثوقة، وهو ما يوفره الإحصاء السكاني. غير أن الواقع السوداني يعكس تحديات عميقة في هذا المجال، خاصة ما بعد الحرب المفروضة على البلاد وإفرازاتها على صعيد الهجرة والوجود الأجنبي مما يجعل من الصعوبة رسم سياسات تنموية ناجحة وفعّالة، وعليه ننبه هنا الي أهمية هذا المحور التنموي كأولوية قصوى فيما تقدم عليه البلاد من إصلاحات.
أهمية الإحصاء السكاني للتنمية المستدامة
يُعد الإحصاء السكاني الركيزة الأساسية في بناء الاستراتيجيات والخطط التنموية. فمن خلاله يمكن قياس حجم السكان، وتوزيعهم الجغرافي، وتركيبتهم الديموغرافية والنوع ، ومعدلات الولادة والوفاة والهجرة، فضلاً عن مؤشرات التعليم والصحة والبطالة. وتوفر هذه البيانات أساسًا علميًا لاتخاذ القرارات وتوجيه الاستثمارات، ومتابعة التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة وأسمتها أهداف الألفية.
التحديات التي تواجه السودان
رغم هذه الأهمية، يواجه السودان العديد من التحديات التي تعيق فاعلية الإحصاء السكاني، وتنعكس سلبًا على مسار التنمية المستدامة، ومن أبرز هذه التحديات:
1. غياب التعداد السكاني الشامل والمحدّث: لم يُجرِ السودان تعدادًا سكانيًا رسميًا منذ عام 2008، رغم التحولات الديمغرافية الكبيرة التي شهدها بسبب النزاعات والهجرات الداخلية والانفصال. تأخر التعداد السكاني السادس يُعد من أبرز العقبات أمام التخطيط السليم.
2. ضعف البنية التحتية الإحصائية: يعاني الجهاز المركزي للإحصاء من ضعف الإمكانيات التقنية والبشرية، إلى جانب غياب الدعم الكافي من الدولة والمنظمات الدولية. كما أن التعاون بين المؤسسات الحكومية ذات الصلة بالإحصاء غالبًا ما يكون محدودًا أو غير منسق.
3. النزاعات وعدم الاستقرار السياسي: أدى استمرار الحرب والنزاعات المسلحة، لاسيما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والحرب الغادرة من قبل قوات ال دقلو المتمردة منذ ٢٠٢٣ م، أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، مما يخلق صعوبات في تحديد أماكن تواجدهم وعددهم بدقة، فضلاً عن ضعف التغطية الجغرافية للتعدادات والاستبيانات.
4. غياب ثقافة البيانات: تفتقر العديد من الجهات الحكومية والخاصة في السودان إلى الوعي بأهمية الإحصاء في صناعة القرار، كما أن البيانات المتوفرة غالبًا ما تكون قديمة أو غير ولا منقحة او متاحة للعامة، مما يعيق الباحثين وصنّاع السياسات.
5. ضعف التمويل: تعتمد الأنشطة الإحصائية بدرجة كبيرة على الدعم الدولي، وهو ما يجعل تنفيذ المشاريع الكبرى، مثل التعداد السكاني، عرضة للتعثر في حال غياب التمويل الخارجي أو تأخره.
آفاق المستقبل والتوصيات
رغم هذه التحديات، الكبيرة فإن النهوض بالإحصاء السكاني يمثل مدخلًا حيويًا لتحقيق التنمية المستدامة في السودان. ويمكن اقتراح عدد من الخطوات لتعزيز هذا الدور:
• الإسراع بإجراء التعداد السكاني السادس وفقًا للمعايير الدولية، مع ضمان شمول جميع المناطق والمجموعات السكانية.
• تطوير البنية المؤسسية والفنية والرقمية للجهاز المركزي للإحصاء، وتوفير التدريب والتقنيات الحديثة.
• تعزيز الشراكة بين الدولة والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني في مجال جمع وتحليل البيانات.
• إنشاء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة ومحدثة، تسمح بالوصول إلى المعلومات السكانية والتنموية.
• إدماج البيانات الإحصائية في كافة مراحل التخطيط وصناعة السياسات العامة.
توصيات
⁃ اعادة تأهيل الجهاز المركزي للإحصاء وإعادة ترتيبه وتنظيمه بحيث يصير مستقلا عن كل التأثيرات السياسية وان ينال هذا الجهاز ثقة الدولة باكملها حكومه ومعارضه. ويمكنه الاستفاده في هذا الشأن من تجارب بعض الدول مثل جنوب افريقيا وبتسوانا. حيث تحول الاحصاء في هذه الدول من تقديم البيانات كخدمه مجانية إلى المشاركة الفعالة في انتاج العلم والمعرفة. ويرى الخبراء ان الجهاز المركزي للإحصاء بوضعه قبل الحرب لا يصلح أبدا لخدمة اهداف الدوله السودانية بعدها.
⁃ ومن الإخفاقات التى صاحبت أواخر فترة الإنقاذ والفترة الانتقالية هي عدم التمكن من اجراء التعداد السكاني السادس في عام ٢٠١٨ كما كان مخططا له، رغم ان كل الأعمال الفنية للتعداد كانت جاهزة وقتها. .
⁃ ضرورة اعادة تشكيل المجلس القومي للسكان وان يكون مباشرة تحت مسؤولية وإشراف رئيس مجلس الوزراء. وهذا هو الوقت المناسب لكي يباشر المجلس القومي للسكان أعماله الرسمية والبحوث في مجال النزوح السكاني وصحة الأمومة والطفولة وكل الأنشطة التي صادق عليها السودان في شأن تنفيذ توصيات مؤتمر نيروبي 2019 وكذلك برنامج المؤتمر الدولي للسكان.
⁃
لابد لمجلس الوزراء الجديد ان يوكل مهام تنسيق اعداد التقارير الوطنية للتنمية المستدامة للمجلس القومي للسكان. خاصة وان المجلس كان المنسق الوطني لتقارير اهداف الألفية. كما انه كان المنسق الوطني للتقرير الطوعي الاول لاهداف التنمية المستدامة.وضرورة مراجعة آخر تقرير اعد في مجال التنمية الاجتماعية أمر في غاية الأهمية.
خاتمة
كأساس للمؤشرات العالمية لقياس التنمية ،فإن ربط التنمية المستدامة بالإحصاء السكاني ليس رفاهًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لبناء السودان على أسس علمية وإنسانية عادلة. فبدون بيانات دقيقة وشفافة، تبقى الخطط التنموية مجرد شعارات، ويظل الفقر والتهميش هما الواقع اليومي لغالبية المواطنين. وعليه، فإن بناء نظام إحصائي فعّال هو الخطوة الأولى نحو اقامة سودان متحضر ومستقر ومتوازن .

