طيف المتنبي في معرض الدوحة للكتاب 2025 (1-2)
محمد يوسف العركي
أشرت له من بعيد وهو في مضمار الفروسية قبل أن تطل الشمس من خدرها وفرسه المحبب سابح يكمل الأشواط في همة الخيل العربية الاصيلة فقال لي ضاحكاً: فهمت ما تريد قوله يا بُني، ثم أردف أردف قائلاً:
أعز مكان في الدنى ظهر سابح وخيرُ جليس في الزمان كتاب
فعلمت انه لم ينس الموعد.
كان مساء اليوم السابق حافلاً ففي الخيمة العربية كان المجلس القطري حاضراً وزاده السدو بهاءً، بيد أن المتنبي اشتكى من قوة الإضاءة المنبعثة والتي خففها مرافقنا من وزارة الثقافة القطرية المنظمة لمعرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والثلاثين.
في ذات المساء اجتهدت في أن اقنع شاعرنا العظيم بأن الذهاب للمعرض بالخيل سوف يربك حركة السير في المدينة، واقترحت ان نذهب بالميترو وسعى مرافقنا أن يقرب له الصورة فضحك ضيفنا ثم انشد قائلا:
إِذا اِعتادَ الفَتى خَوضَ المَنايا
فَأَهوَنُ ما يَمُرُّ بِهِ الوُحولُ
فقلت له: بل الامر اهون من ذلك يا شاعر الدنيا.
في الصباح ركبنا الميترو فإذا بالجميع ينظر بدهشة وانبهار واخذوا يخرجون هواتفهم الجوالة ملتقطين خلسةً بعض الصور لهذا الضيف. لم يأبه المتنبي لهم وقال لي: يا بني لو شهدت زمانكم هذا لقلت في وصف معالم الدوحة أكثر مما قلت في وصف شعب بوان:
مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني
بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها
غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها
سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ
طَبَت فُرسانَنا وَالخَيلَ حَتّى
خَشيتُ وَإِن كَرُمنَ مِنَ الحِرانِ
غَدَونا تَنفُضُ الأَغصانُ فيها
عَلى أَعرافِها مِثلَ الجُمانِ
فَسِرتُ وَقَد حَجَبنَ الشَمسَ عَنّي
وَجَبنَ مِنَ الضِياءِ بِما كَفاني
دلفنا الى ارض المعارض حيث معرض الدوحة لكتاب في دورته الرابعة والثلاثين، ولفت انتباهنا شعار المعرض (من النقش الى الكتابة) و وجود الهوية العربية في التصميم وفي كافة تفاصيل المعرض مزيجاً جمع بين الأصل والعصر فقلت لأبي الطيب: أراك شردت بعقلك يا شاعر العرب الاكبر
فقال لي: يا بني والله أعادتني هذه المشاهد لأيام الكوفة ودمشق ومصر
كنا حينها قد تجاوزنا المدخل الرئيس ودلفنا الى جناح وزارة الثقافة المنظمة لهذا المحفل الراق وأخذ ذلك الشاب يشرح لنا معالم الجناح الذي اشتمل على المؤلفات والمنجزات وتوقفنا عند شاشة عليها شابتان التقطتا صورةً للشاعر الكبير وكانت الخلفية سوق واقف فقال لي: أليس هذا هو المكان الذي زرناه أمس؟ قلت له: نعم سيدي فقال لي: ما الذكاء الاصطناعي الذي سمعته من الفتاة هذه وما هذه المرآة التي وقفت امامها؟
فقلت في نفسي: كيف اشرح له ان هذه المرآة هي كاميرا رقمية وان الصورة تمت معاجلتها بالذكاء الاصطناعي ؟...آه يا ربي
دلفنا من بعد الى عديد الاجنحة ومرافقنا يشرح لنا ان هذه الدورة في هذا العام تعد أكبر مشاركة دولية في تاريخ المعرض إذ استقطبت ما يزيد عن الخمسمائة وعشرين دار نشر من ثلاث واربعين دولة.
توقفنا عند جناح ضيف شرف المعرض “دولة فلسطين “فأكرمواوفادتنا وتناولنا المعمول والقهوة وأهدوا المتنبي الكوفية الفلسطينية وطفنا على الجناح فإذا بدموع ابي الطيب تنثال ويقول لي : منذ متى ضاعت فلسطين منكم؟! وانشد قائلاً:
لحُزنُ يُقلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَردَعُ
وَالدَمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنازَعانِ دُموعَ عَينِ مُسَهَّدٍ
هَذا يَجيءُ بِها وَهَذا يَرجِعُ
حينها طلبت من مرافقنا من وزارة الثقافة أن نعود لمنزلة الضيافة لما رأيته من حزن قد كسى الشاعر العظيم، على نعود في الغد مواصلين لجولتنا في معرض الدوحة للكتاب.

