خطوة…
مجلس العلاقات الخارجية في السودان: (خطوة استراتيجية نحو بناء سياسة خارجية مؤسسية)
في خطوة لافتة تؤشر إلى تحول نوعي في طريقة إدارة السياسة الخارجية السودانية،
وجّه رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس بإنشاء (مجلس للعلاقات الخارجية) يضم نخبة من السفراء، والخبراء، والأكاديميين المتخصصين، وممثلين للجهات ذات الصلة. ويهدف المجلس إلى المساعدة في اتخاذ القرار، وصياغة رؤية استراتيجية للعلاقات الخارجية السودانية، والاستفادة من الكوادر الدبلوماسية التي اضطرتها ظروف الحرب للإقامة بالخارج، من خلال برامج إلكترونية آمنة وتدريبية خاصة.
هذا القرار، الذي جاء خلال لقاء د. إدريس مع السفير حسين الأمين، وكيل وزارة الخارجية المكلف، والسفير إدريس إسماعيل، مدير عام الشؤون الأوروبية والأمريكية، يمثل تحولاً من العمل الدبلوماسي التقليدي إلى نهج مؤسسي مرن ومبني على الرؤية والخبرة والتخصص.
وفي رأيي المتواضع ان أهمية القرار ومبررات الإشادة تمثلت في ان القرارب بمثل هذا التوجيه اعترافًا بأهمية توطين القرار الدبلوماسي في إطار استشاري جامع، قائم على مشاركة الخبرات الوطنية التي راكمت تجارب عملية واسعة في مؤسسات دولية وإقليمية.
كما يعكس فهمًا حديثًا للسياسة الخارجية كجزء لا يتجزأ من قوى الدولة الشاملة، التي تتطلب تنسيقًا عميقًا بين المسارات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية والثقافية.
و لتحقيق أقصى فعالية لهذا المجلس الوليد، من الضروري الالتزام بعدد من المحددات والمعايير:
-اولا: الانتقاء الدقيق لعضوية المجلس
فيجب أن يكون اختيار الأعضاء مبنيًا على
الاختصاص العلمي أو المهني في مجالات العلاقات الدولية، الأمن القومي، الجيوبولتيك القانون الدولي، ودراسات السلام. بجانب الاستقلالية الفكرية والقدرة على تقديم رؤية وطنية نزيهة لا تحكمها المحاور أو الأجندات.
– ثانيا: بناء المجلس ضمن قوى الدولة الشاملة فالسياسة الخارجية لا تُدار بمعزل عن: الاقتصاد الوطني/ الأمن القومي
الهوية الثقافية/الخطاب الإعلامي الوطني
لذا يجب أن يكون للمجلس القدرة على التشبيك مع هذه المسارات لضمان الاتساق والفاعلية.
-ثالثا: تطوير رؤية استراتيجية وطنية للعلاقات الخارجية: ينبغي للمجلس أن يسهم في:
-إعداد خريطة مصالح استراتيجية للسودان
– تحليل التهديدات والفرص الإقليمية والدولية
-اقتراح سيناريوهات بديلة للتعامل مع القوى الدولية والإقليمية
-رابعا : استثمار كوادر المهجر والدبلوماسيين بالخارج: وذلك عبر المنصات الرقمية الآمنة، يمكن للمجلس أن يستفيد من الكفاءات الدبلوماسية المشردة قسرًا وان يبني قاعدة بيانات للخبراء السودانيين بالخارج و يوفر منصات تشاركية دائمة للتخطيط والتحليل
(( الحرب من دروسها لولاة الامر بانه قد آن الاوان لأن يتحول السودان من الدبلوماسية العاطفية الى الدبلوماسية الاستراتيجية ))
فقد ظلّت السياسة الخارجية السودانية، في كثير من الأحيان، أسيرة الانفعالات أو ردود الفعل، لا نتاجًا لتخطيط استراتيجي طويل المدى. ومع تشكيل مجلس للعلاقات الخارجية، تُتاح الفرصة لوضع أسس حديثة لإدارة علاقات السودان بالعالم، قائمة على المصالح الوطنية العليا، والحياد الإيجابي، والابتعاد عن الارتجال والمحاور. كما إن التحول إلى ( الدبلوماسية المؤسسية) بدلاً من ( الدبلوماسية الفردية)، يمثل ضرورة وطنية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان،
ونتمنى ان يكون المجلس الجديد خطوة في هذا الاتجاه، إذا ما أُحسن تشكيله، وأُعطي صلاحياته، ودُعِمَ بالكفاءات والإرادة السياسية الجادة.

