معجزة استقرار سعر الصرف: قراءة موضوعية في أداء بنك السودان المركزي أثناء الحرب
بقلم: طارق شريف ساتي
“لم يلق الدور الكبير الذي لعبه بنك السودان المركزي في ظروف هي من بين الأسوأ التي يمكن أن تواجه أي مؤسسة نقدية حظه من الاهتمام والدراسة : كيف استطاع البنك أن يحقق إستقراراً ملحوظاً في سعر الصرف رغم الانهيار المالي، وفقدان الأصول، وتوقف الدعم الخارجي؟
لقد تعرض البنك المركزي، شأنه شأن مؤسسات الدولة الأخري، لصدمات عنيفة في سياق الحرب، كان من أبرزها:
• توسع غير مسبوق في الاستدانة من وزارة المالية لتغطية النفقات الجارية على القوات النظامية، خصوصًا المرتبات ووقود العمليات.
• نهب فرع البنك الرئيسي في الخرطوم وما ترتب عليه من فقدان جزء كبير من احتياطيات النقد الأجنبي، بالإضافة إلى عدة أطنان من الذهب.
• فقدان أدوات التدخل الكلاسيكية التي كانت تستخدم قبل الحرب للحفاظ على استقرار سوق النقد.
ومع ذلك، فقد حافظ البنك على سعر صرف شبه مستقر لأكثر من عام، دون أن يتلقى دولاراً واحدًا من الخارج، ودون أن يلجأ إلى احتكار موارد النقد الأجنبي أو توجيهها لخدمة أغراض الحكومة وحدها.
السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف استطاع بنك السودان المركزي أن يدير سعر الصرف بفعالية في ظل كل هذه الظروف؟
هذه النتيجة تتعارض بوضوح مع نظريات الاقتصاد الكلي التقليدية، التي تؤكد أن أي توسع نقدي غير مغطى باحتياطيات حقيقية يؤدي بالضرورة إلى تضخم وانهيار في قيمة العملة.
لكن البنك اعتمد على سياسات واقعية ومرنة، من أبرز ملامحها:
• السماح للبنوك التجارية باستخدام مواردها الذاتية من النقد الأجنبي، خصوصاً عائدات الصادرات لتغطية احتياجات عملائها من الاستيراد.
• تحمل عبء تمويل استيراد المواد البترولية عبر محفظة مشتركة مع بنك الخرطوم برأسمال بلغ مليار دولار، وفّرت حتى الآن ما يزيد عن 3 مليار درهم لموردي تلك المواد، مما ساعد على حماية السوق من الانفلات.
• تمويل طباعة أكثر من 2 مليار ورقة نقدية جديدة (بفئات 1000، 500، و2000 جنيه) دون اللجوء لأي استدانة خارجية، مع سداد التكاليف بالكامل.
• الامتناع الواعي عن شراء الذهب من السوق المحلي بشكل مكثف، لتجنب زيادة الكتلة النقدية بشكل يؤثر سلباً على سعر الصرف.
لقد كان حرص البنك المركزي على استقرار سعر الصرف، رغم اشتداد الحرب وتضاعف الضغوط، نابعاً من وعي مؤسسي عميق بطبيعة دوره ومسؤولياته القانونية والوطنية. فبحكم قانون تأسيسه، تقع على عاتقه مهمة الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومعدلات التضخم، وهي ليست أهدافاً تجريدية، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بمعيشة المواطن اليومية.
فكل تدهور في سعر الصرف ينعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات الأساسية، ويفاقم الأعباء المعيشية، خصوصاً في ظل تآكل الدخول وتراجع الدعم الحكومي. من هنا، لم يغفل البنك هذا الجانب الحساس، ولم يضحِ به تحت ذريعة الحرب، بل سعى بكل وسيلة ممكنة إلى تثبيت دعائم الاستقرار النقدي، حفاظاً على الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي للمواطن، حتى في أشد الظروف قسوة
إنجاز اقتصادي يتجاوز حدود النجاة
ما تحقق لا يمكن وصفه إلا بأنه معجزة اقتصادية، بالنظر إلى أن كثيراً من الدول انهارت عملاتها تماماً في أوضاع أقل حدة من هذه. المعجزة الكبرى، بحسب تصريحات محافظ البنك المركزي، هي أن البنك استطاع في ظل هذه الظروف إعادة بناء احتياطياته من النقد الأجنبي إلى ما كانت عليه قبل الحرب!
وما أريد أن أؤكد عليه ايضا وبقوة هي قدرة البنك المركزي والبنوك التجارية في الحفاظ علي جهاز مصرفي قادر علي الوفاء بالتزاماته نحو المودعين رغم ما تعرضت له البنوك من نهب للأصول والأنظمة.
هذا الأداء المذهل يستحق أن يدرس بعناية، لا من باب الإشادة وحدها، بل من أجل تحليل العوامل، وفهم السياسات، واستخلاص الدروس.
لقد آن الأوان لأن تشرع مراكز البحث الاقتصادي في الداخل والخارج في دراسة هذه التجربة، ومقارنتها بتجارب دول واجهت أوضاعاً مشابهة، مثل سوريا أو لبنان أو حتى فنزويلا.
فإن لم توثق مثل هذه اللحظات المفصلية، فمتى نوثق؟

