مستقبل النووي الإيراني بين الحماية الدولية وقوة الخصوم!؟:
السفير.د.معاوية التوم
في خضم التجاذبات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يظل الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتأثيرًا في معادلات الصراع والتوازن. فمنذ إعلان إيران عن تطوير برنامجها النووي، انقسم العالم بين من يرى فيه حقًا سياديًا في امتلاك التقنية السلمية، ومن يعتبره تهديدًا وجوديًا يستدعي الحصار أو الضرب الاستباقي. وبين هذين الموقفين، تتأرجح طهران مدعومة بمواقف دولية متباينة، لكنها في الوقت نفسه تواجه خصومًا يمتلكون أدوات ضغط لا يُستهان بها، بل وربما القدرة على تغيير المسار برمّته.وحملها في حال المواجهة على خيارات فيها الكثير من المتاعب والمخاطرالتي اعتادت عليها في سياقها الحروب التي خاضتها فيما يعرف عندها بمنطقة غرب آسيا(الشرق الأوسط) .
تطور لا يخلو من الجدل
بدأ البرنامج النووي الإيراني في زمن الشاه بدعم غربي، لكنه أخذ منحى آخر بعد الثورة الإسلامية عام 1979، ليتحول إلى أحد أدوات الصراع بين إيران والغرب، خصوصًا الولايات المتحدة. ورغم ما شهده الملف من محطات تفاوضية مثل اتفاق 2015، فإن انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق أعاد التوتر إلى الواجهة، وزاد من تسريع إيران لوتيرة التخصيب، في وقت بدت فيه المؤسسات الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري، ماضية في تحويل الملف إلى أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن الصواريخ التي امتلكت ناصيتها كما دللت حرب ال ١٢ يوما . أو الحضور الإقليمي الذي توافر لها بحكم تواجدها في فلسطين واليمن ولبنان وسوريا والعراق .وليس قدرا محضا أن يكون الهجوم الاسرائيلي في ١٢ يونيو الجاري، لتأتي الضربة الأمريكية على المنشآت الإيرانية الثلاثة فوردو – نطنز و أصفهان بعد عشرة ايام منها!؟ لوضع حد لهذا المشروع والحلم الايراني الوجودي .او هكذا تقول الرواية الاميركية رغم الشكوك التي أثارتها الوسائط الإعلامية عن التضخيم فيما لحق بهذه المنشآت
الحماية الدولية… بين المصلحة والبراغماتية
تعوّل طهران على شبكة معقدة من العلاقات الدولية لحماية مشروعها النووي من الضغوط القصوى. فكل من موسكو وبكين تدعمان الموقف الإيراني ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض الهيمنة الغربية، لا تغلو من براغماتية. بينما تحاول دول الاتحاد الأوروبي لعب دور الوسيط رغم ضعف موقفها الفعلي أمام الموقف الأميركي الذي جعلها محدودة التأثير . وفي المقابل، تلعب الوكالة الدولية للطاقة الذرية دورًا حساسًا، إذ تمارس التفتيش والرقابة، لكنها كثيرًا ما تتعرض لاتهامات بأنها واقعة تحت تأثير التوازنات السياسية، لا المهنية البحتة من خلال الممارسة التي أعقبت حرب ال ١٢ يوما .ما حمل إيران على تعليق تعاونها مع الوكال وربط اي زيارة لمسئوليها بقرار منّ هيئة الامن القوميلايران.
خصوم أقوياء ومخططات الإجهاض
أبرز خصوم إيران، دون شك، هي إسرائيل التي تعتبر حصول طهران على سلاح نووي تهديدًا وجوديًا. وعلى مدار السنوات، لم تتردد تل أبيب في تنفيذ عمليات نوعية داخل العمق الإيراني، من اغتيال علماء وقادة عسكريين وسياسيين إلى هجمات سيبرانية معقدة. وتحييد الوكلاء في المنطقة وتفكيك قدراتهم . أما دول الخليج، و دون تحديدً ، فهي تنظر إلى البرنامج النووي من زاويتين: تهديد أمني مباشر، تزيده وجود القواعد الاميركية، واحتمال دخول المنطقة في سباق تسلح نووي، ما يجعلها تضغط باتجاه تحجيم إيران بكل السبل، بما في ذلك دعم الضغوط الأميركية أو التلويح بخيارات ردع استراتيجية خاصة، وتعاون خفي ضدها .
سيناريوهات مفتوحة على الاحتمالات
مع تعقيد المشهد، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النووي الإيراني:
1. العودة للاتفاق المعدّل: وهذا يتطلب تنازلات من كل الأطراف، لكنه قد يُجنّب المنطقة انفجارًا كبيرًا.
2. ضربة عسكرية مركّزة: خصوصًا من إسرائيل، بدعم أو مباركة أميركية، او من الحليف مباشرة لكنها خطوة محفوفة بالمخاطر.
3. الردع المتبادل: في حال امتلكت إيران قدرة نووية دون إعلان، مما يعيد تشكيل موازين القوى.
4. الاستمرار في الغموض النووي: حيث تواصل إيران أنشطتها دون الوصول إلى نقطة صنع السلاح، مع استمرار سياسة “الضغط مقابل التخصيب”.
خاتمة
من خلال هذه السيناريوهات فإن مستقبل البرنامج النووي الإيراني ليس حكرًا على طهران وحدها، بل يتشكل من تفاعل إرادات متعددة. فبين حماية دولية يحرّكها منطق المصالح، وخصوم ماضين في خططهم لإفشال المشروع، (إسرائيل والولايات المتحدة )، تظل المنطقة واقعة تحت تهديد دائم بانفجار استراتيجي، قد يغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة. فيما يتوقع للعلاقة الإيرانية مع المنظمة الدولية للطاقة الذرية تعقيدات جمة من خلال السيناريوهات المحتملة ، قد تعرض وقف إطلاق النار المعلن الي انتكاسة. الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا لتحليل استراتيجي معمق حول موقع البرنامج النووي الإيراني بكل ركائزه وقدراته ومستقبله في سياق الصراعات الإقليمية والدولية بتداعياتها الماثلة .

