تناقضات خطاب سعادة رئيس مجلس الوزراء: كيف يمكن أن يُجهض الأمل بسوء الاختيار؟
د. عبد العزيز الزبير باشا
في خضم أزمة وطنية غير مسبوقة، وفي وقت تتداعى فيه أركان الدولة تحت ضغط الحرب والاحتلال والدمار، خرج علينا معالي رئيس مجلس الوزراء بخطاب طال انتظاره، ليعلن عن ملامح حكومته القادمة — التي اختار لها اسم “حكومة الأمل”. لكن، وبعيدًا عن الكلمات الرنانة والشعارات البراقة، فإن المتأمل في تفاصيل هذا الخطاب لا يلبث أن يصطدم بتناقضات جوهرية، تهدد بنسف فكرة “ *الأمل* ” من جذورها، وتعيدنا إلى مربع الأزمة الأول: فشل القيادة عبر قرارات غير مدروسة في التعيين والتكليف…
أولاً:
التناقض الجوهري — الاستقلالية والاختيار الفردي
رئيس مجلس الوزراء تحدث طويلًا عن ضرورة اختيار “ الشخص المناسب في المكان المناسب ”، بل واعتبر ذلك أول أسباب الأزمة السودانية المتجذرة. لكنه، وفي فقرة لاحقة، يعلن بوضوح أنه سيحتفظ لنفسه بالاستقلالية المطلقة في اختيار الوزراء، مستخدمًا ما يراه مناسبًا من “وسائل الاختيار المتعددة”…
هذا الإعلان — الصريح — بنزع المشاركة المؤسسية من عملية الاختيار، واحتكار القرار التنفيذي، هو تناقض صريح مع المبادئ التي بشر بها في نفس الخطاب، والتي تحدث فيها عن “العمل الجمعي” و”المنهج العلمي والمهني”…
فهل نُعالج خطيئة “سوء التعيين” بخطيئة “الاستفراد بالاختيار”؟
وهل يُبنى العمل المؤسسي على قرار فردي؟
أليس هذا هو الطريق نفسه الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم؟
ثانياً:*
حكومة “ _لا حزبية_ ” بلا آلية تدقيق؟
يشير معالي رئيس مجلس الوزراء إلى أن من شروط الانتماء لحكومته “ *عدم الانتماء الحزبي* ”، ولكنه لم يوضح مطلقًا كيف سيتم التحقق من ذلك. فهل يكفي التصريح الشفهي؟
وهل يخفى على أحد أن كثيرًا من المنتمين للأحزاب يعملون تحت أسماء مهنية أو “مستقلة” زائفة؟
بل إن أغلب الذين دمروا مؤسسات الدولة كانوا يدخلونها بأقنعة التكنوقراط، ثم يتبين لاحقًا أنهم صنيعة صفقات سياسية وحزبية مشبوهة…
إن غياب جهاز تدقيق مستقل لفحص خلفيات المرشحين، والتأكد من أهليتهم، وارتباطاتهم، هو ثغرة قاتلة في هذا المشروع المعلن، وتفتح الباب واسعًا للنفوذ الحزبي والتسويات الجهوية مرة أخرى، وإن بلبوس “ حكومة الأمل ”…
ثالثاً:
دعوة عامة للتقديم = فوضى إدارية
رئيس مجلس الوزراء يدعو “ *كل الكفاءات الوطنية* ” لإرسال سيرهم الذاتية، دون تحديد معايير واضحة، أو لجان مراجعة، أو منهج علمي للفرز والمقابلة والتقييم.
هذه الطريقة — _على حسن نيتها الظاهرة_ — لا تختلف كثيرًا عن نشر إعلان وظائف في الصحف، دون تصور مؤسسي واضح، ولا آلية عملية شفافة لتقييم الجدارة…
والأسوأ، أن هذه الدعوة — إذا لم تُضبط — ستفتح الباب أمام حملات ترويج شخصية، وضغوط قبلية وجهوية، ومنافسات غير مهنية، في وقت نحتاج فيه إلى أعلى درجات الانضباط المؤسسي…
رابعاً:
تجاهل مراكز القوة المؤسسية*
رغم الخطاب الطويل، لم يوضح *رئيس مجلس الوزراء* كيف سيتم إشراك المؤسسات القائمة مثل الخدمة المدنية، أو الأجهزة الرقابية، أو مجلس السيادة، في إجازة أو ضبط هذه التعيينات…
فإذا كانت الحكومة كلها تعتمد على صلاحيات فردية مطلقة، فإننا أمام دولة غير دستورية، حتى وإن تنكرت بأجمل الشعارات…
خامساً :
الخطر الحقيقي في التوقيت الحرج
السودان لا يحتمل الآن تجارب غير محسوبة أو محاولات فردية لإثبات الذات…
نحن في لحظة حرجة تهدد فيها الحرب بتمزيق ما تبقى من وحدة الدولة…
وإن أخطر ما يمكن أن نفعله الآن هو تكرار أخطاء الماضي في التعيين، تحت أي غطاء — تكنوقراطي، أو غير حزبي، أو حتى ديني.
فالوزير السيئ، في هذا الظرف، ليس عبئًا إداريًا فقط، بل قد يكون سببًا مباشرًا في انهيار وزارة كاملة، أو فشل مشروع وطني، أو حتى تعميق الانقسام داخل الدولة…
الخلاصة:
الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة*
نُقدّر النية الطيبة التي ينطلق منها معالي رئيس مجلس الوزراء في خطابه، لكن النية وحدها لا تكفى…
فالحكم لا يُدار بالشعارات، بل بالمؤسسات….
ولا تُبنى الأمل على الكلام الجميل، بل على الأنظمة المحكَمة، والتدقيق الصارم، والشفافية الكاملة في التعيين.
وما لم يتم تصحيح هذه التناقضات فورًا، فإن “ حكومة الأمل* ” *_قد تتحول — لا قدّر الله_ — إلى “ وهم جديد ”، يُضاف إلى سلسلة الأوهام التي أثقلت كاهل السودان منذ الاستقلال.
عاش السودان حرًا عزيزًا،
ولا أمل إلا بالعدل والصدق والشفافية، لا بالقرارات الفردية…
*وطن و مؤسسات…
*السودان أولا و أخيراً…

