التوترات التجارية تهدد أهداف الطاقة النظيفة العالمية
الدوحة:مجلة حواس
في الوقت الذي يسابق فيه العالم الزمن لبلوغ الأهداف المناخية، تظهر عقبة قوية وغير متوقعة تعترض طريق التحول الطاقي، وهي ليست معوقًا تقنيًا أو نقصًا في الاستثمارات، بل تنامي موجة الحماية التجارية العالمية. ففي مرحلة يُعد فيها التعاون الدولي شرطًا أساسيًا لتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، تتجه حكومات عدة نحو فرض حواجز تجارية تهدد بانهيار سلاسل توريد الطاقة النظيفة.
وبحسب أحدث ورقة بحثية في مجال الاستدامة أصدرتها مؤسسة العطية، أصبحت حالة عدم اليقين المتعلقة بالسياسات التجارية من بين أخطر التهديدات، التي غالباً ما تُغفل، أمام التحول العالمي في قطاع الطاقة.
وجاءت الورقة بعنوان “تأثير العوائق التجارية على أهداف الطاقة المستدامة”، حيث تستعرض كيف أن الإجراءات التجارية الأخيرة، مثل فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية تتجاوز 250% على الألواح الشمسية، وما يصل إلى 100% على مكونات البطاريات، تُحدث اضطرابًا في التدفق العالمي لتقنيات الطاقة النظيفة. وتجدر الإشارة إلى أن سلاسل توريد الطاقة الشمسية الكهروضوئية وحدها تمتد عبر أكثر من 50 دولة، ما يجعل أي تغيير سياسي مفاجئ كفيلًا بتأخير أو إيقاف مشاريع على مستوى عالمي.
وتري الورقة وفقا لتقرير لمؤسسة العطية الدولية للطاقة بأن هذه القيود التجارية قد تؤدي إلى تأخير تحقيق الأهداف العالمية للطاقة المتجددة لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، في حين تُضيف الحواجز غير الجمركية، مثل متطلبات المحتوى المحلي، وقواعد منح الشهادات، والمعايير الفنية، تكاليف إضافية تتراوح بين 15% و25% على مشاريع الطاقة النظيفة.
وتتجلى الآثار الاقتصادية لهذه الاضطرابات بوضوح، ففي الربع الأول من عام 2025 وحده، تم إلغاء استثمارات في مشاريع للطاقة النظيفة تُقدّر بنحو 8 مليارات دولار أمريكي، بما في ذلك مشاريع رئيسية لتصنيع البطاريات والألواح الشمسية في الولايات المتحدة.
وتسلط الورقة الضوء على أن تركّز سلاسل التوريد يزيد من هشاشة النظام العالمي للطاقة، حيث تُهيمن الصين حاليًا على تصنيع العديد من التقنيات والمكونات الأساسية للطاقة النظيفة، بما فيها الألواح الشمسية، وخلايا البطاريات، والمعادن الأرضية النادرة، ما جعل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عرضة لصدمات السياسات، على غرار القيود الأخيرة التي فرضتها الصين على تصدير الجرافيت والليثيوم.
ومع ذلك، تُشير الورقة إلى وجود فرص استراتيجية مهمّة، إذ تمتلك دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومنها السعودية والأردن وسلطنة عُمان ومصر، احتياطيات كبيرة من المعادن الحيوية مثل الليثيوم والفوسفات والنحاس، وهي معادن أساسية في سلاسل توريد الطاقة النظيفة. ويُعزز من هذه الميزة موقع هذه الدول الجغرافي الذي يربط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، مما يؤهلها لتصبح مراكز إقليمية للتجارة والإنتاج في قطاع الطاقة النظيفة.
ونوهت مؤسسة العطية إلى ضرورة وجود تنسيق سياسي دولي عاجل لتفادي مزيد من التشتت في أسواق الطاقة. وتشير السيناريوهات المحتملة إلى أن إزالة50% من الحواجز التجارية الحالية قد يُسهم في زيادة نشر الطاقة الشمسية عالميًا بنسبة 7%، وتقليل الانبعاثات التراكمية بما يصل إلى 12 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2060.
يأتي هذا التقرير كأحد البحوث الاثني عشر التي تصدرها مؤسسة العطية سنويًا، ليؤكد مجددًا أهمية الاعتماد على قرارات مستندة إلى الأدلة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة. ومن دون وجود أطر تجارية منسقة، فإن العالم مهدد بتباطؤ تحقيق أهداف المناخ، على الرغم من التصاعد الملحوظ في الزخم العالمي الداعم لهذه المساعي.

