لحظة مفصلية في التاريخ الحديث لتركيا …
مرور تسع سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة
د. مصطفى كوكصو
سفير الجمهورية التركية لدى دولة قطر
تمرّ الذكرى التاسعة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرّضت لها تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، وقد سجّلت تلك الليلة في ذاكرة الأمة التركية والعالم أجمع كواحدة من أكثر اللحظات حسمًا وتأثيرًا في التاريخ المعاصر للجمهورية. ففي مواجهة دبابات الانقلابيين وطائراتهم، خرج الملايين من أبناء الشعب التركي إلى الشوارع في مشهد استثنائي، دافعوا عن دولتهم وديمقراطيتهم بصدورهم العارية، وأفشلوا خلال ساعات قليلة مخططًا غادرًا كاد يعصف بأسس النظام الجمهوري التركي.
كانت محاولة الانقلاب هذه من تدبير منظمة “فيتو” الإرهابية، بقيادة فتح الله غولن الذي مات في امريكا اكتوبر العام الماضي، والتي تمكّنت على مدى سنوات من التغلغل في مؤسسات الدولة تحت ستار الدين والتعليم. تحركت عناصرها داخل وحدات من الجيش بهدف اغتيال فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان والاستيلاء على مفاصل الدولة. ورغم دعم خارجي ضخم تلقته هذه المنظمة، سواء من خلال التمويل أو الحملات الإعلامية أو الاستعداد للاعتراف الفوري بحكمها في حال نجاح الانقلاب، فإن صمود الشعب التركي ووعيه أفشلا المخطط خلال ساعات.
لقد أدركت تركيا منذ تلك اللحظة أن المعركة لم تكن فقط داخل حدودها، بل كانت أيضًا مع تنظيم عابر للحدود يستغل القيم الإنسانية والدينية لأغراض خفية. ومن هنا انطلقت جهود مستمرة لمكافحة هذا التهديد داخليًا وخارجيًا، داعية المجتمع الدولي إلى التعاون الجاد في التصدي لمخاطره الأمنية والفكرية.
إن تلك الليلة لم تكن مجرد لحظة مواجهة، بل شكلت تحولًا بنيويًا في وجدان الأمة التركية ومسار الجمهورية. فقد أصبحت رمزًا لإرادة الشعب الراسخة في حماية الديمقراطية، وخلّدت أسماء الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الدستور والشرعية، مصدر إلهام دائم للأجيال في مواجهة التحديات.
ومن رحم تلك المواجهة، واصلت تركيا طريقها بثقة، فعزّزت من قوتها الإقليمية، وعمّقت إصلاحاتها السياسية والاقتصاديةوالتعليمية ، ووسّعت نطاق الحريات، رغم ما واجهته من تحديات داخلية وخارجية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، رسّخت تركيا حضورها العالمي من خلال شبكة بعثات دبلوماسية تُعد ثالث أكبر تمثيل على مستوى العالم، تضم 262 بعثة. وتواصل أنقرة نهجها القائم على الحوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين، مع إيلاء اهتمام خاص بالمنطقة العربية، ولا سيما الخليج العربي، انطلاقًا من رؤية تعتبر أمن الخليج جزءًا من أمنها القومي.
كما تواصل الدعوة إلى إصلاح النظام الدولي ورفض احتكار القوى الكبرى، وهو ما يجسّده موقفها الثابت تحت شعار: “العالم أكبر من خمسة”. وتميزت سياستها الخارجية خلال العقد الأخير بمبدأ “التوازن النشط”، الذي يجمع بين الثبات في القيم والمبادئ، والانفتاح الواقعي على مختلف القوى الدولية.
وتأتي العلاقات مع دولة قطر في طليعة الشراكات الخارجية لتركيا، استنادًا إلى توافق راسخ في المبادئ والرؤى السياسية، لا سيما في دعم الاستقرار الإقليمي والقضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد ترجم البلدان هذا التوافق إلى تنسيق وثيق وتحركات مشتركة على المستويين السياسي والإنساني، كان أبرزها التعاون في إيصال المساعدات إلى قطاع غزة، حيث لعب التنسيق مع قطر دورًا محوريًا في تسهيل وصول الدعم الإغاثي إلى المتضررين.
في هذا الإطار، لم تدّخر تركيا جهدًا في دعم القضية الفلسطينية سياسيًا وإنسانيًا، بقيادة فخامة الرئيس ووزير الخارجية، عبر اتصالات إقليمية ودولية تهدف إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية. حيث بلغت مساهمات تركيا إلى قطاع غزة نسبة 32% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى القطاع، ما يضعها في صدارة الدول الداعمة على المستوى الدولي.
وفي إطار سياستها القائمة على دعم الحلول السياسيةوالاستقرار الإقليمي، تواصل تركيا تأكيد دعمها للعملية الانتقاليةفي سوريا، مع إبداء التقدير للجهود المبذولة للحفاظ على وحدةالأراضي السورية وسيادتها. وتؤمن بأن تحقيق الاستقرارالمستدام يتطلب تعاونًا بنّاءً بين دول الجوار والدول الشقيقة، وهوما تسعى إليه تركيا من خلال دعمها المستمر لهذا المسار.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أثبتت تركيا خلال السنوات التسع الماضية قدرتها على تجاوز التحديات وتحقيق تطورات ملموسة، رغم الأزمات الكبرى مثل جائحة كورونا وزلزال عام 2023. فقد شهدت البلاد نموًا ملحوظًا في الاستثمارات، وارتفاعًا في نسب التوظيف، وتقدّمًا واضحًا في قطاع السياحة، مع حفاظ الاقتصاد التركي على موقعه ضمن أقوى 20 اقتصادًا في العالم. كما بلغت قيمة الصادرات في عام 2024 أكثر من 260 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز 270 مليار دولار خلال العام الحالي، فيما استقبلت البلاد أكثر من 60 مليون سائح، ما يعكس قوة الاقتصاد الوطني وجاذبية تركيا على المستوى الدولي.
أما في مجال الصناعات الدفاعية، فقد حققت تركيا خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية، تمثّلت في تسارع وتيرة التطوير والإنتاج المحلي لمنظومات الأسلحة المتقدمة. وقد شملت هذه الطفرة تطوير الطائرات المسيّرة بأنواعها، حتى باتت تركيا من بين قلائل الدول القادرة على تصميم وإنتاج هذا النوع من التكنولوجيا الدفاعية، التي اكتسبت ثقة عالمية واسعة والتي برهنتها الصادرات الدفاعية التركية التي وصلت إلى نحو 180 دولة حول العالم.
كما أُجريت اختبارات ناجحة لصواريخ هجينة، وأُنشئت مراكز متخصصة لاختبار وتطوير الأنظمة الدفاعية، في إطار رؤية وطنية تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز التعاون مع الدول الشقيقة في هذا المجال. وتُظهر التحولات المتسارعة في الإقليم أن امتلاك منظومات ردع ودفاع متقدمة بات ضرورة تمليها طبيعة المرحلة. ومن هذا المنطلق، فإن هذا التطوّر من شأنه أن يعزز فرص التعاون بين تركيا والدول الشقيقة لمواجهة التهديدات المشتركة وحماية الأمن الإقليمي الجماعي.
وفي التعليم داخلياً، أعادت الدولة التركية هيكلة قطاع التعليم عبر ضمّ المؤسسات التي كانت تحت سيطرة منظمة “فيتو” إلى وزارة التربية الوطنية، مما عزز السيادة التعليمية ومكّن من استعادة السيطرة الكاملة على البنية التحتية التربوية.
أما خارجيًا، فقد برزت “مؤسسة المعارف التركية” كفاعل دولي في مجال التعليم، إذ تولّت إدارة المدارس التي كانت تستغلها “فيتو” في عدة دول، ووسّعت أنشطتها لتشمل 586 مؤسسة تعليمية في 55 دولة، ضمن علاقات رسمية مع 108 دولة، مقدّمة التعليم لأكثر من 70 ألف طالب.
وفي سياق هذه المسيرة، تُعد دولة قطر من أبرز الشركاء الذين وقفوا إلى جانب تركيا في أكثر لحظاتها حساسية. فقد بادرت الدوحة، في الساعات الأولى من محاولة الانقلاب، إلى إعلان موقف حاسم ومبدئي دعمًا للشرعية والديمقراطية، وهو ما ترك أثرًا بالغًا في الذاكرة السياسية التركية، باعتباره نموذجًا حقيقيًا للتضامن بين الدول الشقيقة.
ومنذ تلك اللحظة، استمرت العلاقات بين أنقرة والدوحة في الازدهار بشكل نوعي، وانتقلت من الدعم السياسي إلى شراكة مؤسسية شاملة. فعزز التعاون عبر اللجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين، وعقدت حتى اليوم عشر دورات، آخرها في أنقرة في نوفمبر 2024، وشهدت توقيع أكثر من مئة اتفاقية تعاون تغطي مجالات حيوية كالدفاع، والطاقة، والاستثمار، والتعليم، والإعلام. كما تنشط في السوق القطرية أكثر من 770 شركة تركية، في حين يبلغ عدد الشركات القطرية في تركيا نحو 250 شركة، ما يعكس حجم التكامل الاقتصادي المتصاعد بين الجانبين.
وقد تميزت العلاقات التركية–القطرية بتكامل المواقف وتبادلالدعم في أوقات الأزمات. ومؤخراً، أدانت تركيا بشدة أي اعتداءينتهك سيادة دولة قطر الشقيقة، حيث أكد فخامة الرئيس رجبطيب أردوغان أن تركيا ستقف دومًا إلى جانب أشقائها القطريين.
وفي ذكرى محاولة الانقلاب الفاشل، تجدّد تركيا شكرها وتقديرها لدولة قطر، قيادةً وشعبًا، ولكل من وقف معها في تلك الليلة المصيرية، مؤكدة التزامها بتعزيز علاقات الأخوة والتعاون من أجل مستقبل مشترك تسوده العدالة والاستقرار والنماء.

