رحيل الدكتور تيجاني المشرف: حين يغيب الكبار، يئن الوطن
بقلم د. لمياء عبد الغفار خلف الله
في صباحٍ حزين من يوم الجمعة، 18 يوليو 2025، ودّعت مدينة القاهرة أحد أعلام السودان، الدكتور تيجاني المشرف، الرجل الذي لم يكن مجرد طبيب ولا مجرد قائد طلابي، بل كان روحًا متقدة بالوعي، مزيجًا من الذكاء الفطري والقيادة الإنسانية، وسيرة تفيض بالعطاء والنبل.
من أم درمان إلى الخرطوم.. رحلة المجد
نشأ وترعرع الدكتور تيجاني في أم درمان، المدينة التي تنفست النُبل واحتضنت العراقة. تربى في كنف أسرة عرف عنها الإيثار ،الكرم والعلم، حيث تربي واخوته علي نهج والدته معلمة الأجيال ست خديجة التي غرست فيه الإصرار والتميز. مشرف إسمه لم يكن عبثًا، إذ شرفه الإنتماء لكلية الطب بجامعة الخرطوم، تلك “الجميلة المستحيلة” التي لا يبلغها إلا من امتلك التصميم والاجتهاد والثقة بالنفس.
قائد بالفطرة.. اتحاد طلاب جامعة الخرطوم
عام 1988، تولى تيجاني رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، تلك المنصة التي كانت تضاهي في تأثيرها منصبًا وزاريًا؛ حيث كان يُحسب له ألف حساب من إدارة الجامعة إلى عمال الداخليات. دافع عن الطلاب في السكن، في بيئة التعليم، وفي الإعاشة التي حُرم منها جيله لاحقًا. كان تيجاني مفاوضًا ذكيًا، وصاحب كاريزما نادرة، يضحك ببراءة الأطفال، ويتحدث بصلابة الأسود في المواقف الجادة.
إنسانية تتخطى الحواجز
لم يكن مجرد زميل أو قائد، بل كان لي أخٌ عطوف وصديق صدوق، امتدت إنسانيته في لحظات فارقة. كان سندًا حين اشتدّ العسر، وكانت روحه قبسًا مضيئًا في ظلام الغربة.
نداء لجيلٍ لا يُعوّض
ليس الحديث عن تيجاني وحده، بل عن جيل الستينات والسبعينات الذين شكلوا وجدان الأمة،عاصروا معترك الحكم الديمقراطي والعسكري، وتصدروا العمل الطلابي، وتركوا بصماتهم في كل أنحاء العالم—من الطب والهندسة إلى الصحافة والرياضة.
جيل الإنجاز والفكر، وهم اليوم في ذروة عطائهم. فلنمد لهم جسور الدعم، لنحفظ إرثهم، ولنصنع معهم مستقبلًا يستحقه السودان.
إلى أبناء وبنات هذا الجيل العظيم
تماسكوا، اتحدوا، ابنوا شركاتكم، مصانعكم، مؤسساتكم الإنتاجية. اجعلوا هدفها دعم بعضكم البعض وبناء وطنكم.
وداعًا يا تيجاني
غيابك فجوة لا تُسد. أوجعتنا الغربة والحرب والقهر، لكنك تركت لنا إرثًا يليق بالأبطال. بكيناك وبكينا جيلًا نخشاه أن ينطفئ قبل أن نحتفي به كما يستحق.
تيجاني.. غيابك فجوة لا تُسد، لكنه أيضًا إلهام لنبني من الحزن أملاً، ومن الذكرى رسالة حياة.
ليكن رحيلك جرس إنذار، وصوتًا يوقظ ما تبقى فينا من عزيمة. ولنا رجاء أن نعود، نزرع الأمل، الحب، والسلام، *ونصنع من وطننا جنةً للأجيال القادمة،،*
رحم الله الدكتور تيجاني المشرف، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
القاهرة /18 يوليو /2025

