أهو كلام والسلام
المركزية واللامركزية في السودان
فؤاد قبانى
كنت ولازلت من أنصار المركزية، خاصة في التعليم. وما تفرق أهل السودان إلا من اللامركزية التي طبقت أيام مايو. وكل أبناء ولاية ذهبوا لولايتهم حكامًا ووزراء وأعضاء في المجالس الولائية، وبدأت المحاصصات (“ولدكم اتعين وولدنا ما عينوه ليه؟”). وأصبحت المشكلة التي كان في مقدور شيخ الحلة حلها تستعصي على الناظر، ناهيك عن العمدة. وبدت الصراعات بين البطون فيما بينها والقبائل لأتفه الأسباب، ولم يعد للكبير صوت ولا أمر ولا نهي.
بدأ الأمر في بدايته بتعيين محافظين سياسيين، واستقال المحافظون الذين كانوا على رأس المحافظات في السودان. وكانت المحافظات كلها سبعًا، ولكن تم إقناعهم لتأسيس وزارة العمل والإصلاح الإداري ليستفاد من خبراتهم. وكان التعيين السياسي بمثابة المسمار الذي دق في نعش الإدارة في السودان. وبعدها شهدنا الخراب الإداري في البلاد.
كثرة المرتبات والامتيازات التي تدفع للقطاع السياسي يمكن أن تحل مشاكل الدولة قاطبة، لكننا وقعنا في مصيدة الترضيات وزعل الكبار، بينما بقية أفراد الشعب يعيشون في الفقر المدقع والجوع والمثغبة. ولو اجتهد الفقير لتعليم أبنائه، يودعهم في إحدى الخلاوي لا بنية التعليم، بل لأنه غير قادر على إعاشتهم لأن الحكومة تركت نظام الداخليات الذي لا يزال معمولًا به في كثير من دول العالم.
وانتهى نظام العلاج المجاني يوم أن فتح الباب أمام العلاج الاقتصادي الذي كلما ضاقت ميزانيتهم وصغرت، كلما كمل النقص على حساب العلاج المجاني، إلى أن صار اسمًا بلا فعل. يبدأ برسم الدخول للمستشفى وينتهي بالإبرة والشاش.
بدأت المجالس البلدية في السودان في الأربعينات من القرن الماضي، ويعتبر مجلس بلدية الأبيض أقدم المجالس البلدية في السودان. ومنه بدأت تجربة الحكم المحلي في السودان، التي أضاف عليها د. محمد علي بخيت إضافات، وأضاف عليها آخرون حتى أصبحت مسخًا.
نحن الآن أمام مرحلة جديدة في تاريخ السودان، يكون السودان أو لا يكون، ينهض أو يظل ينتاشه بنوه. بلد بهذا الكم الهائل من الموارد ويستجدي الدول طعامه ودواءه، والكل ينتظر (“يا فيها يا نطفيها”). بدأ رئيس الوزراء بحكومته وهي حكومة رشيقة أنيقة، اجتهد في اختياراته. فنريد أن تتنزل هذه الرشاقة وخفة الظل على المجلس الوطني ومجالس الولايات.
نختصر الأعداد بالقدر الذي يفي بالغرض دون مخصصات أو منح أو هبات، فالحصة وطن. لابد من إعادة النظر في أسلوب الحكم في السودان، فليجلس خبراء الإدارة وعلماؤها وليأتوا لنا بدراسات جادة تساعد في إدارة حكم البلاد وتقليل نفقات الحكم التي أصبحت ترهق ميزانية الدولة على حساب الخدمات الأساسية للمواطن.
لقد شاهدت رئيس وزراء هولندا وهو يغادر بعد انتهاء فترته عمله، ترك عربة الدولة وتحلل من القبضات والقيود وركب دراجته. بينما نحن يأتي السياسي بنعال مقدود ويخرج بعد انتهاء فترته وهو يركب على فارهة، وتنتظره الثانبة في المنزل.
الحصة وطن على الجميع حكامًا ومحكومين أن يضعوا الوطن في حدقات العيون، وأن نبتعد عن حظوظ النفس ولننسى خلافاتنا، ولنجعل من مركزية التعليم أحد ممسكات الوحدة الوطنية كما كان في السابق. تجد المعلم من كسلا ويدرس في الفاشر أو من الفاشر ليعلم في القولد وهكذا. فالسودان بلد التسامح والخير والجمال، والقادم أجمل. استووو يرحمكم الله.

