السردية السودانية في المخيلة الدولية: بين الصورة والواقع والفعل!؟
السفير .د.معاوية التوم
منذ عقود، ظل السودان حاضرًا في الذهنية الدولية لا بوصفه بلدًا غنيًّا بتاريخه وتنوعه وثرواته ونضالات شعبه وثوراته، بل كحالة “دائمة التأزم”، دولة مأزومة في الجغرافيا والسياسة، والحضور، مرتبطة في الأذهان بالحرب والمجاعة والانقلاب. تلك صورة نمطية تُعاد صناعتها مرارًا في الإعلام الدولي والتقارير الأممية والمؤسسات الحقوقية، ما خلق فجوة صارخة بين “ما يبدو” و”ما هو كائن”، بين الصورة المرسومة في الخارج، والواقع المتشابك في الداخل بافرازاته التي تتمدد، والمخططات التي تتجدد.
لطالما شكّلت صورة السودان في المخيلة الدولية مزيجًا معقدًا من الانطباعات النمطية، والمعالجات الإعلامية السطحية، والتصورات السياسية المرتبطة بمواقف القوى الكبرى ومصالحها. فالدولة التي تتوسّط القارة، وتتقاطع عندها الملامح العربية والأفريقية، الإسلامية والنييلية، لم تحظَ في الإعلام والنقاشات الغربية والدولية إلا بحضور هش، مقيد برباعية: الحرب، الفشل السياسي المجاعة، والانقلاب!
فما الذي يجعل السودان غائبًا –أو مُغيّبًا– في الوعي العالمي ككيان ذي عمق حضاري، وإرث إنساني، وشعبٍ حيٍّ لا يزال، رغم الجراح، يحلم بالسلام والعدالة والديمقراطية؟ وماذا فعل أهله وقادته على المستويين الرسمي والشعبي ازاء هذا التنميط الذي لا يأبه بتاريخ او قدرات ومنجزات حتى عند افشال مخطط الحرب الماثل لتفتيت البلاد.
سردية مُعلَّبة ومشروطة :
تاريخيًا، لم تُفرد للسودان مساحات عادلة و متوازنة في وسائل الإعلام الدولية، ولا المؤسسات الاقليمية والامنية، إلا عند اندلاع الأزمات. من المجاعة في الثمانينات، إلى حرب دارفور، ثم انفصال الجنوب، (فالثورة) اياها في ديسمبر /ابريل ٢٠١٩، وصولًا إلى الحرب الدامية المفروضة والمستمرة منذ أبريل 2023. في كل محطة، بدا التناول الخارجي قاصرًا ومغبشا عن فهم الجذور البنيوية للأزمات، ومهووسًا بتكثيف السرد حول الضحية والجاني، الخير والشر، بطرفانية مزيفة دون تمحيص في الخلفيات والسياقات ولا معين او سند حقيقي لتغيير هذه الصورة التي تكرس بقوة.
هذه المعالجة المجزأة تُغذّيها مشروعات منسقة وخطابات رسمية غربية تتعامل مع السودان كملف إنساني أو أمني، لا كدولة ذات حق سيادي في تقرير مصيرها، ولا كشعب له تاريخه ونضاله وخياراته، بل كمصدر إزعاج يجب احتواؤه أو التحكم في مساراته وموارده وفرض قالب ووصاية عليه في الحكم ومستقبله.
شعب يتقدّم نُخبه:
لقد كشفت المبادرات الوطنية والثورات وليس اخرها ثورة ديسمبر 2018 أبريل 2019 التي اختطفت، وما تلاها من فشل وحراك شعبي، أن الشعب السوداني أسبق من نخبه، وأكثر وعيًا وإدراكا بقضاياه، وأشدّ توقًا إلى الحرية والبناء. ورغم ذلك، لم يحظَ هذا الحراك بتقدير يُوازي زخمه، لا من المجتمع الدولي ولا من القوى المؤثرة. سُرعان ما فتر الحماس، وتراجعت الشعارات الداعمة للديمقراطية لصالح حسابات أمنية، وشراكات نفعية، وتسويات تعيد إنتاج القديم وتبقي حالة الفشل والهشاشة واللا استقرار المتنامي.
هذا الموقف المتخاذل أسهم في ترسيخ الصورة القديمة عن السودان، وأجهض فرصة كانت سانحة لإعادة تقديم البلاد كحالة نهوض تاريخي له مخاض وتضحيات ، لا كحالة إنسانية طارئة وملحّة فحسب.
تجاهل الأبعاد العميقة:
الصورة السطحية التي تُرسم للسودان تُهمل حقيقة أن أزمات البلاد لا تنبع من “عنف المجتمع” أو “قِصر نظر المواطن”، بل من أزمة بنيوية عميقة في بنية الدولة، وفشل في المشروع الوطني لإنتاج عقد اجتماعي يوفّق بين تنوع المكونات ويُرسّخ مبدأ المواطنة المتساوية. كما تتجاهل الصورة السائدة وحجم التدخلات الإقليمية والدولية وأجنداتها التي تغذّي النزاعات، وتموّل الأطراف المسلحة، وتتنازع النفوذ على جسد الدولة المتهالك، وكسر ارادة هذه الامة لاجل مشروع خارجي مسموم.
إن هذه العوامل المغفلة تمثل جوهر الأزمة، بينما يكتفي الإعلام الدولي غالبًا بتناول المظاهر لا الجذور، ويغفل عن دور الأطراف الخارجية في تعميق الفوضى، عبر النخبة المستلبة والموظفة من خارج الحدود وخناجرها الغادرة لضرب الوحدة الداخلية، حين تتعامل مع السودان كساحة صراع بالوكالة.
مسؤولية مزدوجة:
صحيح أن جوهر الأزمة الداخلي يشكل عمقا اساسيًا، ولا يمكن تحميل الخارج وحده مسؤولية تشويه صورة السودان أو اختزالها وفق نظرية المؤامرة الراسخة عبر تاريخنا. فالنخب السودانية –رسمية ومدنية– لم تنجح في تقديم خطاب وطني خارجي موحّد، ولا ترغب في التنازلات والتوحد لاجل الوطن، ولم تستثمر في الإعلام الثقافي والدبلوماسية الناعمة والقدرات الكامنة لا التوليفات المؤقتة والمحاصصات المبتسرة لتشكيل سردية وطنية تجد صداها في العالم. كما أن غياب المؤسسات الفاعلة والناطقة باسم السودان في المحافل الدولية ترك فراغًا ملأته تقارير أممية مشروطة أو معلومات مضللة ومراكز استخبارات موجهة ما تزال يغطي غثاءها على الحقيقة .
إزاء ذلك، تبدو الحاجة ملحّة لصياغة مشروع وطني يعيد تقديم السودان للعالم، ليس كدولة هشّة، بل كبلد زاخر بالإمكانات والموارد والثروات وإنسانه، يتطلع إلى الشراكة لا الرعاية، إلى الندية لا الوصاية، الي الاحترام لا الكيد والتقزيم ، الي منحه الفرصة لا مصادرة خياراته.
نحو صورة تعكس الحقيقة:
إعادة تشكيل صورة السودان في المخيلة الدولية ليست معجزة ولا عصية على الفعل تبدأ من الداخل، من امتلاك زمام المبادرة والخطاب، برؤية وطنية وافرة القيم والمكتسبات تعرف مكنوزها ونجاحاتها وتعترف بفشلها وتدرك التحديات التي تحيط بها وترغب في تذليلها وتجاوز محطاتها. رؤية تفرض الرواية السودانية الأصيلة، التي لا تنكر التحديات، لكنها تضعها في إطارها الصحيح، وتُبرز ما هو أكثر من الحرب والسياسة والمجاعة: الإنسان السوداني في صموده، والمجتمع في تماسكه، والتاريخ في غِناه، والأمل في تجدّده.
نحن بحاجة إلى لغة جديدة، ومخاطبة مدروسة للعالم، وشراكات معرفية وثقافية ضمن الفكرة الكلية للدولة تُكسر بها القوالب الجاهزة، وتُبنى بها جسور الفهم الحقيقي.فإذا لم يروِ السودانيون حكايتهم بأنفسهم، فلن يتورع العالم عن قول ما يُناسب مصالحه ومخططاته ومشروعاته وتعهدها بالسقيا، لا واقعهم.
الصورة النمطية للسودان في المخيلة الدولية لا تعبّر عن عمق الواقع، بل تُعيد إنتاج سردية اختزالية تضر بالنظرة الكلية للبلد ، و مصالح الشعب وسمعته، وتضعف فرص الانتقال الديمقراطي. وتبرر التعايش في استمرار الحرب الراهنة، لتتكرّس هذه الصورة السلبية أكثر من أي وقت مضى، ما يجعل من الضروري أن يتصدى السودانيون أنفسهم لرواية قصتهم، وفرض سرديتهم، لا انتظار من يُعرّفهم أو يتحدث باسمهم، ويرسم واقعا يقعد بتاريخ أمتنا ونضالاتها ومكاسبها فمن المسؤول ترى!؟من بوسعه تغيير هذا التابو، متى وكيف!؟
⸻
٧ اغسطس ٢٠٢٥م

