أهو كلام والسلام
العودة إلى الريف
فؤاد قباني
هذه أمنية كل من وُلِد في الريف أو عاش فيه، أو ضاق بصخب وضجيج المدينة؛ أن يعود إلى حياة الريف.
لكن أهل الريف، وخاصة الشباب منهم، ينزحون إلى المدن بصورة مزعجة، تجعل الريف خاليًا من الشباب في عمر العطاء والعمل والإنتاج، بينما تكتظ المدن بشباب مفتولي العضلات يعملون في أشغال هامشية مثل غسيل العربات وبيع الماء البارد في الشوارع والطرقات، في حين أن الأرض لا تجد من يفلحها ويزرعها، والماشية لا تجد من يسوقها إلى المراعي، ويبقى الكهول والنساء في القرى يشكون الحاجة والعوز والفقر والمرض.
من أنجح وأكبر المشاريع التي نُفِّذت لتنمية الريف في السودان هو مشروع تنمية أرياف الأبيض. بل أستطيع أن أقول – وبالفم المليان – إنه من أنجح المشاريع على مستوى العالم لمشاريع الأمم المتحدة الإنمائية. ومن حسن الطالع أن العالم الدكتور محمود عبد الرؤوف كان على رأس الفريق الذي قام بالدراسة، وهو نفسه من تولّى تنفيذ المشروع. وهذا يعني أن آماله وأشواقه التي وضعها على الورق قام بترجمتها إلى واقع. وقد أعانه على ذلك نخبة من النجوم؛ نائبه الدكتور علي جماع، والأستاذ إسماعيل الراحل وبقية العقد الفريد من الشباب الاختصاصيين الذين سهروا على نجاح المشروع.
أُقيم المشروع في منطقة الأبيض – محافظة شيكان – حيث تم اختيار 50 قرية حول الأبيض، وتم في كل قرية تكوين لجنة لإدارة وتنمية القرية.
فماذا حدث في تلك القرى؟
لقد حدثت طفرة إنمائية في كل مناحي الحياة، إذ كان المخطط لها تنمية شاملة في مجالات الزراعة، والغابات، وتربية الحيوان، والمياه النظيفة، والصحة الأولية، والتعاون، والمشاريع الجماعية التي تديرها جمعيات منتخبة من القرى.
استعانت إدارة المشروع بكوكبة من الاختصاصيين والعلماء، وكان لي شرف اختياري من ضمن العاملين في هذا المشروع كأحد الخبراء في مجال الصناعات الصغيرة، بعد أن تم ترشيحي من قبل مجموعة “التقنية الوسيطة” البريطانية.
ولمعرفة التغيير الذي أحدثه المشروع في القرى، نأخذ مثالًا: كانت القرى تعتمد على “النفير”، والنفير عادة يتكون من عشرة أشخاص، والناتج في اليوم الواحد حوالي مخمس (ما يعادل فدانين تقريبًا). بينما المحراث الواحد الذي يجره حصان أو ثور يفلح فدانين في اليوم، أي ما يعادل إنتاج النفير المكوّن من عشرة أشخاص. فتخيل لو وزّع المشروع في كل قرية مئة محراث صغير، إذن سيزداد دخل الفرد في القرية، مما يؤدي إلى استقرار الشباب فيها. لأن من أهم أسباب نزوح الشباب هو الجهد الكبير المبذول في الزراعة بالطرق البدائية (الطورية، الحشاشة، الملوّدة) مقابل ناتج ضئيل.
كما اعتبر المشروع المياه النظيفة أساسًا لحياة خالية من الأمراض، فحرص على أن يكون لكل قرية مصدرها المستقل من المياه – سواء عبر الحفائر أو الآبار.
كذلك خُصص لكل مجموعة قرى يومٌ للسوق، وطاحونة، ومعصرة زيوت ريفية في أكبر قرية، لتتجمع فيها بقية القرى طوال أيام الأسبوع.
أما مشروع الصحة الريفية الأولية، فكان من أكبر المشاريع الصحية في كردفان. إذ أهل المشروع لكل قرية قابلة، وجهّز الشفخانات والمستوصفات، وأهل الممرضين ومساعدي الأطباء والزائرات الصحيات، كما جُهِّزت ثلاجات تعمل بالطاقة الشمسية. وصاحب ذلك اهتمامٌ خاص بالأمومة والطفولة، بدعم غذاء الطفل من إنتاج “الجبراكة” – مزرعة الأم المنزلية – التي دُعمت بعشر دجاجات يأكل منها الأطفال البيض ويُباع الفائض، بينما تم توزيع نعجتين على بعض الأسر.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن إعادة تطبيق مثل هذا المشروع مرة أخرى؟
أقول: نعم، فقط الأمر يحتاج إلى مكوّن واحد هو مليون دولار.
تخيل هذا المبلغ يساوي تنمية 50 قرية، ويوقف النزوح، ويحقق العودة إلى الريف والتنمية المستدامة. كل ذلك ممكن لو أخلصنا النية، وشمرنا السواعد، واتجهنا إلى العمل.
فاستووو… يرحمكم الله.

