سوق أم درمان كما رأيته قبل الحرب، وكما تخيَّلته عقب اشتعالها (8/4)
د. النور الكارس
تنويه:
الصُّور المُرفَقة توثِّق مشاهد حيَّة التقطها المصوِّر نادر الطيب خلف الله أثناء تصوير الفيلم الوثائقي “سوق أم درمان، معمِّر لا يشيخ”، وهي تجسِّد بعض اللَّحظات والوقائع التي ورد ذكرها في هذا الجزء من المقال.
(4)
سوق العدَّة (سوق الأواني):
عقب مغادرتي لسوق الجلادة، محمولًا على أمواج الدَّهشة-كما ذكرت- قادتني أذناي إلى موقعٍ صاخبٍ له رنين، إنَّه سوق العدَّة، حيث تصطفُّ محلَّات بيع الأواني المنزليَّة في انتظار مقدم المشترين الذين يزورنها على مدار العام، وإن كانت أعدادهم تزداد بشكلٍ ملحوظ قبيل شهر رمضان.
تضمُّ متاجر سوق العدَّة الأواني الشَّعبيَّة متواضعة الشَّكل وعميقة المضمون، جنبًا إلى جنب مع نظيرتها الحديثة المستوردة من الخارج، ورغم البون الشَّاسع بين الفئتين، فإنَّ لكلٍّ منهما روَّاده ومريديه، تمامًا مثلما أنَّ لكلِّ فولة كيَّال، كما يقولها المثل العربي. و لأنَّ الشَّيء بالشَّيء يذكر، جذبني فول الكيَّالين بقوَّة إلى سوق التَّوابل، بمساعدة من حاسَّة الشَّمِّ التي تشبَّعت بروائح السُّوق المحبَّبة، الموحية، شديدة التَّباين.
سوق التَّوابل:
إثر مرور ساعة قضيتها في جمع المعلومات، غادرت سوق العدَّة على عجل، واتَّجهتُ غربًا حيث سبق أنفي قدميَّ بالوصول إلى سوق التَّوابل، أو سوق التَّشاشين كما يطلق عليه البعض.
في الحقيقة، إذا قُدِّرَ للمرء أن يزور هذا السُّوق، و هو غارق في لجَّة الزّكام، سيجد نفسه يشتمَّ بعمق رائحة البهارات التي تحرس المكان بوفاءٍ و إخلاص، و ربما لهذا السَّبب لم يتأثَّر هذا السُّوق – كغيره – بمنافسة البدائل الحديثة؛ إذ ظلَّت مكوِّناته العتيقة و معروضاته المتعدِّدة محتفظة بعبق الماضي، جنباً إلى جنب مع الرَّائحة القويَّة الصَّارخة التي تقود إليه من يقصده دونما حاجة إلى مرشد أو دليل، مثله في ذلك مثل العديد من الأسواق الفرعيَّة لسوق أم درمان، التي يتميَّز كلٌّ منها ببصمة متفرِّدة لا يملكها غيره.
سوق النِّساء:
في ركن هادئٍ حييٍّ من سوق أم درمان، ألقيتُ عصا التِّرحال بسوق النِّساء. وجدته يتربَّع حقًّا على عرش التُّراث السُّوداني، متدثًّرا بعشق صويحباته له، ومتَّشحًا بحبِّ روَّاده لمنتجاته.
يتميَّز سوق النِّساء بهدوء الحال وحياء البائعات، وإن كانت تخترق وقار هذا السكون – من حين إلى آخر- جلبة رنَّانة تحدثها اشتباكات أكوابٍ معدنيَّة، يُعلنُ بها بائع ماءٍ متجوِّل عن بضاعته الثمينة الزهيدة.
يجمع هذا السُّوق بين الكرم الفياض والهويَّة الثَّقافيَّة؛ ففيه يمكنك العثور على ضالَّتك المنشودة من مكوِّنات المائدة الشَّعبيَّة السُّودانيَّة، وهي تشمخ جنبًا إلى جنب مع المصنوعات التُّراثيَّة التي تمثِّل سائر مناطق السُّودان.
نعم، إنَّ للمنتجات هنا – بشقَّيها – بصمتها الخاصَّة؛ إذ تُشبه بائعاتها الكريمات في بساطة المظهر وعمق الجوهر.
سوق الطواقي:
وأنا في طريقي إلى قطاع آخر من سوق أم درمان وجدت نفسي أمرُّ بمحاذاة طريق أسفلتيٍّ يشقُّ السُّوق إلى نصفين متباينين، بينما تخيطه هو أرتال من السَّيارات المتلاحمة.
أشحتُ ببصري عن الكائنات المعدنيَّة ذوات الدَّم البارد، وولَّيته شطر الضَّفة الغربيَّة من الطَّريق، فتفاجأت ببائعات الطَّواقي يجلسن في اصطفافٍ منظَّمٍ على حافَّة الأسفلت، يكسرن سواده الباهت بمنتجاتهنَّ الزاهية، المتعدِّدة في أشكالها وألوانها.
راودني الإحساس لحظتها بأنَّ سوق النِّساء يلاحقني حيثما مضيت، تمامًا كسهم البوصلة الذي لا فكاك له من جهة الشِّمال!!
ثمَّ تبيَّنتُ الحقيقة: صانعات الطَّواقي يتبعن مهنيًّا لسوق النِّساء الذي خلَّفته خلفي يرفل في نعيم السَّكينة، أمَّا جغرافيًّا، فتفضِّل كثيرات منهنَّ الجلوس في مواقع نابضة بالحركة، تعجُّ بالمارَّة والسيارات، وتغرق في صخب النهار وضجيجه.
أرسلت نظرة فاحصة إلى أهرامات الطَّواقي التي تشمخ بخيوطها المتناسقة. لفتني مشهد بائعة توقَّفت للحظة عن عملها، وضعت منسجها وخيوطها جانبًا لتستلم ثمن طاقية، ثمَّ عادت لمتابعة نسج أخرى لم تبلغ بعد مرحلة “المضغة”. احتوني دهشة غامرة؛ إذ رأيتُ الطَّواقي تُنسج وتُباع طازجة تحت أعين المارَّة المشوشة بأشعَّة الشَّمس، ومصابيح السَّيارات التي تمَّ إطفاؤها للسبب ذاته.
وإلى جانب الطَّواقي، تنسج العاملات “الهبَّابات” (ضفيرة من السعف تستخدم لإشعال النار) باستخدام خيوط ملوَّنة، و “وقايات الجبنة” (مقاعد للإناء التقليدي الذي تُغلى فيه القهوة)، التي يستخدمن في صنعها الخرز “السكسك” الملوَّن.
أرسلتُ نظرة أخيرة إلى الطَّواقي المنتظرة في شوق، علَّ المشترين ينقذونها من لهيب شمس النَّهار، ثمَّ غادرت المكان بعد أن ابتعتُ طاقية طازجة، خارجة لتوِّها من رحم الإبداع النَّهاري الساخن؛ بل ما زالت تنبض بحرارة اليد التي نسجتها. وتابعت المسير نحو مهجع “الأصفر الرَّنان”، ذاك الذي – كحال الإنسان السوداني- لا يزيده لهيب النار إلَّا توهُّجًا ولمعاناً. أظنكم عرفتموه.
يتبع…
مع تحياتي،
د. النور الكارس


