*التفاوض مع أمريكا: بين الندية الاستراتيجية واختزال الحل الوطني*
قراءة تحليلية في طرح الأستاذ أبوبكر الشريف التجاني الشريف
بقلم: عثمان حلمى( نص امدرمان )
في خضم الأزمات المتشابكة التي تعصف بالسودان، يبرز بين الفينة والأخرى طرحٌ يدعو إلى التفاوض المباشر مع الإدارة الأمريكية، باعتباره “الحل الناجع” لإنهاء الحروب والنزاعات في السودان. ورغم وجاهة هذا الطرح من حيث الرغبة في كسر الجمود السياسي، إلا أن النظر إليه كخيار وحيد يُثير تساؤلات جوهرية حول جدواه، وتوقيته، وموقعه ضمن منظومة الحل الوطني الشامل.
*أولاً: التفاوض المباشر… خيار استراتيجي أم اضطرار تكتيكي؟*
التفاوض مع قوة دولية بحجم الولايات المتحدة لا يُعد خطأً في ذاته، بل قد يكون ضرورة في لحظة معينة من عمر الأزمة. غير أن تحويله إلى “وصفة سحرية” يُغفل حقيقة أن أي تفاوض خارجي لا يُثمر إلا إذا استند إلى:
– جبهة داخلية موحدة تُعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
– شرعية مؤسسية تُضفي على الموقف التفاوضي وزنه ومصداقيته.
– رؤية وطنية واضحة تُحدد سقف المطالب وحدود التنازلات.
فالتفاوض من موقع الانقسام الداخلي غالباً ما يُفضي إلى شراكة غير متكافئة، أو إلى تنازلات تُفرض تحت ضغط الحاجة، لا من منطلق السيادة.
*ثانياً: أمريكا… وسيط مصالح أم طرف في المعادلة؟*
تصوير الولايات المتحدة كقوة فرضت الحرب على السودان يُعبّر عن شعور شعبي مشروع، لكنه لا يُلامس تعقيدات المشهد الدولي. فأمريكا ليست طرفاً مباشراً في النزاع، لكنها:
– تُمارس تأثيراً غير مباشر عبر العقوبات، والدعم السياسي، والضغوط الدبلوماسية.
– تقدم مصالحها القومية على أي اعتبار، بما في ذلك استقرار السودان أو تنميته.
لذا، فإن أي تفاوض معها يجب أن يُبنى على أساس الندية والمصلحة المشتركة، لا على خطاب الاتهام أو الاستعطاف، ولا على افتراض حسن النوايا المجردة.
*ثالثاً: الجيش السوداني… مؤسسة وطنية أم ممثل حصري؟*
الدعوة للوقوف خلف الجيش السوداني في سياق التفاوض تعبر عن رغبة في توحيد الصف، لكنها قد تُقرأ أيضاً كإقصاء لبقية المكونات السياسية والمدنية. فالجيش، رغم مكانته الوطنية الراسخة، ليس الجهة الوحيدة المخولة برسم مستقبل البلاد. بل إن:
– إشراك الأحزاب الوطنية والقوى المدنية، والاجسام المطلبية والحركات المسلحة، والمجتمع الأهلي يُعد ضرورة لبناء رؤية وطنية جامعة.
– التفاوض الناجح لا يكون من طرف واحد، بل من جبهة وطنية موحدة تُعبّر عن كل السودان، بكل تنوعه وتاريخه وتطلعاته.
*رابعاً: أين هي الرؤية الوطنية؟*
الحديث عن “رؤية وطنية واضحة” دون تحديد ملامحها يُبقي الخطاب في دائرة العموميات. فالرؤية الوطنية، كي تكون فعالة ومُلهمة، يجب أن تتضمن:
– مشروعاً سياسياً جامعاً يُعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمشاركة.
– خارطة طريق للسلام والمصالحة والتنمية المستدامة.
– آليات تفاوضية واضحة تُراعي التوازن بين الداخل والخارج، وبين المبادئ والمصالح.
فالرؤية ليست شعاراً، بل بوصلة تحدد الاتجاه، وتُعبّر عن وجدان الأمة.
*خامساً: السودان والتفاوض الدولي… بين الندية والاختزال السياسي*
السودان ليس دولة تُفاوض من موقع الحاجة، بل من موقع القوة الكامنة. فمقوماته الجيوسياسية والاقتصادية تمنحه قدرة تفاوضية ندّية لا تُستهان بها:
– موقعه المحوري “Hub” مركز عبور استراتيجي لست دول إفريقية مغلقة بحرياً، ما يمنحه أهمية لوجستية وتجارية في قلب القارة.
– موارده الطبيعية الغنية من مياه وأراض ومعادن نادرة، تجعله هدفاً في سباق النفوذ الدولي على إفريقيا.
– دوره الجيوسياسي الحاسم كحاجز أمام تمدد النفوذ الصيني والروسي نحو دول الإيقاد، يمنحه وزناً في حسابات الأمن الإقليمي بما في ذلك امن البحر الأحمر.
– عمقه الحضاري والاسلام المعتدل “الصوفي” يُعزز من قدرته على بناء تحالفات ناعمة في محيطه العربي والإفريقي.
هذه المقومات تُعيد تعريف موقع السودان في أي طاولة تفاوض، وتستوجب أن يكون الحوار مع القوى الكبرى قائماً على المصالح المتبادلة، لا على منطق الاستجابة لضغوط أو اختزال الأزمة في مسار أحادي.
*خاتمة نقدية:*
التفاوض مع أمريكا ليس نهاية الطريق، بل خطوة ضمن مسار طويل يتطلب:
– توحيد الصف الوطني على أسس المشاركة والاحترام المتبادل.
– بناء موقف تفاوضي قوي ومدعوم بشرعية شعبية ومؤسسية.
– إشراك الإقليم والدول المجاورة كوسطاء داعمين لا كمراقبين سلبيين.
– صياغة رؤية وطنية تُعبر عن كل السودانيين، لا عن جهة واحدة أو خطاب منفرد.
إن اختزال الحل في التفاوض المباشر يُفقد القضية السودانية عمقها التاريخي، ويُضعف من قدرتها على فرض شروطها، ويُعيد إنتاج التبعية بدلاً من بناء السيادة.
السودان لا يحتاج إلى مفاوضات عاجلة، بل إلى موقف تفاوضي متماسك، يستند إلى وحدة الداخل، ووضوح الرؤية، واستثمار عناصر القوة الوطنية في صياغة مستقبل يليق بتاريخه ومكانته.

