منظمة شانغهاي للتعاون: قوة دافعة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب
أسامة مختار- بكين
توسع استراتيجي وتأثير متنامي
في عالم يتسم بتحولات جيوسياسية متسارعة، برزت منظمة شانغهاي للتعاون كأحد أبرز التكتلات الدولية فاعليةً وتأثيراً، تأسست عام 2001م بمبادرة من ست دول، وتوسعت لتصبح عشر دول أعضاء، بينها ثلاث قوى كبرى هي الصين وروسيا والهند، إضافة إلى 16 دولة بصفة مراقب أو شريك حوار، من بينها عدة دول عربية مثل مصر وقطر والمملكة العربية السعودية. تمتد دول المنظمة على مساحة شاسعة تبلغ 60% من قارة أوراسيا، ويبلغ إجمالي عدد سكانها نحو 3.4 مليار نسمة (أكثر من نصف سكان العالم)، كما تمثل اقتصاداتها مجتمعة حوالي ربع الناتج الاقتصادي العالمي بقيمة تناهز 26 تريليون دولار.
تطور نوعي في الرؤية والأهداف
لم تعد المنظمة مجرد إطار للتعاون الأمني الإقليمي، بل تحولت إلى منصة استراتيجية شاملة تغطي مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والثقافة. تمسَّكت الصين، العضو المؤسس، بروح شانغهاي القائمة على الثقة والمنفعة المتبادلتين والمساواة، مما مكن المنظمة من تطوير أدوات تعاون مبتكرة تتجاوز النموذج الغربي التقليدي. عبر آليات مثل الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب(RATS)، يعمل الأعضاء معاً بفعالية للحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين من خلال مكافحة الإرهاب والانفصالية والتطرف.
تعاون اقتصادي واستراتيجي متعمق
بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الأعضاء في المنظمة 512.4 مليار دولار في عام 2024، مسجلاً نمواً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة. وتحظى التعاونات في مجالات الطاقة بأهمية كبيرة، حيث تم إنشاء “نادي الطاقة” التابع للمنظمة عام 2013 لتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. كما يشهد التعاون العربي-الصيني تطوراً ملحوظاً في مجالات الطاقة النظيفة وتطوير الموانئ والتكنولوجيا الزراعية، مما يؤسس لقاعدة متينة لبناء مجتمع ذي مصير مشترك.
رؤية جديدة للحوكمة العالمية
بحضور 20 زعيما من قادة العالم أثناء قمة منظمة شنغهاى التي
انعقدت يومى مى 31- 1 سبتمير 2025م في مدينة تيانجين الصينية عبَّرت المنظمة عن توجهها الواضح نحو إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب أكثر عدالة وتوازناً. عبر مبادرات مثل “مبادرة الحوكمة العالمية” التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي تركز على مبادئ المساواة في السيادة والالتزام بالقانون الدولي ودعم التعددية. كما أدانت الدول الأعضاء في “إعلان تيانجين” التدابير القسرية أحادية الجانب، وشددت على أهمية إنشاء مصرف التنمية للمنظمة.
دور عربي متعاظم وشراكات مستقبلية
يبرز الدور العربي المتعاظم ضمن المنظمة من خلال مشاركة دول مثل مصر وقطر والسعودية كشركاء حوار. هذا الانخراط يعكس رغبة هذه الدول في تنويع تحالفاتها الدولية والمشاركة في صياغة نظام عالمي أكثر توازناً. في الذكرى الثمانين لانتصار الصين وحلفائها على الفاشية، تثبت الدول الأعضاء من خلال إجراءات ملموسة أن السلام يجب أن يُصان جماعياً، والأمن يتطلب جهوداً جماعية. تواصل الصين والعرب العمل معاً لبناء نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً، وتحقيق الازدهار والمنفعة المشتركة للجميع.
خاتمة: نحو مستقبل مشترك
تمثل منظمة شانغهاي للتعاون نموذجاً فريداً للتعاون الدولي، يجمع بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية والسياسية، ويسهم في تشكيل مشهد عالمي جديد يتسم بالتعددية والانفتاح. من خلال التزامها بمبادئ “روح شنغهاي” والتوسع المستمر، تسعى المنظمة إلى تقديم بديل حقيقي للنموذج الغربي، يعتمد على التشاور المتساوي والمنفعة المتبادلة. في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير، من المرجح أن تستمر المنظمة في النمو كمنصة مهمة للتعاون بين الدول الأعضاء فيها وكقوة مؤثرة في الشؤون العالمية.
أسامة مختار
خبير بمجموعة الصين للإعلام


