من تصدير الخام إلى صناعة القيمة المضافة.. مجمع القمة يفتح نافذة جديدة أمام الاقتصاد السوداني
وداعاً لتصدير الخام».. هل يبدأ السودان تغيير معادلة الصادرات؟
السودان بحاجة إلى الانتقال من مفهوم «كم طن صدرنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كم قيمة اقتصادية أضفنا إلى كل طن؟
الدوحةً–حسن أبو عرفات
تدشين مجمع القمة للتصنيع الغذائي بمدينة شندي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد افتتاح منشأة صناعية جديدة، وإنما كخطوة تحمل دلالات اقتصادية أوسع، خصوصاً في بلد ظل لسنوات طويلة يصدّر جانباً كبيراً من منتجاته الزراعية والحيوانية في صورتها الأولية، ثم يعود ليستوردها بعد تصنيعها بأسعار أعلى.
ومن هنا تكتسب عبارة وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب: «بهذه المصانع سنودع تصدير الخام» أهمية تتجاوز المناسبة، لأنها تضع الإصبع على واحدة من أبرز الاختلالات المزمنة في الاقتصاد السوداني: ضعف التصنيع المرتبط بالإنتاج الزراعي، ومحدودية القيمة المضافة داخل البلاد.
فالسودان لا يعاني في الأساس من نقص الموارد الزراعية، بقدر ما يعاني من ضعف تحويل هذه الموارد إلى منتجات صناعية قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
من المزرعة إلى المصنع.. تغيير الحلقة المفقودة
المشروع يضم خمسة مصانع تشمل البصل المجفف، ومنتجات البطاطس، والمركزات لإنتاج العصائر والصلصة والكاتشب، والنشا والجلكوز، ومركز تجهيز الصادر، إلى جانب مشروع زراعي تبلغ مساحته نحو 30 ألف فدان والزراعة التعاقدية.
وهنا تكمن أهمية المجمع؛ إذ إنه يحاول بناء سلسلة متكاملة تبدأ من الإنتاج الزراعي، مروراً بالتصنيع والتعبئة والتجهيز، وصولاً إلى التصدير.
هذه السلسلة إذا أُديرت بكفاءة يمكن أن تعالج واحدة من أكبر مشكلات الاقتصاد السوداني، وهي انفصال المزارع عن المصنع والأسواق الخارجية.
فالمنتج الزراعي عندما يغادر البلاد خاماً، فإن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية المتولدة من عمليات التصنيع والتعبئة والتسويق والعلامة التجارية يذهب إلى الخارج. أما عندما تتم هذه العمليات داخل السودان، فإن القيمة تتوزع على المزارع، والعمالة، وشركات النقل، ومصانع التعبئة، والمصدرين، والقطاع المالي، والخدمات اللوجستية.
القيمة المضافة.. العملة الصعبة تبدأ من الحقل
أهمية المجمع لا تتوقف عند زيادة الصادرات، بل تمتد إلى نوعية الصادرات.
السودان بحاجة إلى الانتقال من مفهوم «كم طن صدرنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كم قيمة اقتصادية أضفنا إلى كل طن؟
فطن البصل الخام ليس هو المنتج نفسه بعد تجفيفه وتصنيعه وتعبئته وفق المواصفات العالمية. وكذلك البطاطس، والطماطم، والذرة وغيرها من المحاصيل يمكن أن تتحول من منتجات موسمية سريعة التلف إلى منتجات صناعية قابلة للتخزين والتسويق والتصدير على مدار العام.
وهذا التحول يمكن أن يمنح الصادرات السودانية قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأسعار العالمية، ويزيد حصيلة البلاد من النقد الأجنبي.
إنقاذ المزارع من معادلة «الإنتاج بلا سوق»
من أهم ما يلفت الانتباه في تجربة المجمع اعتماد الزراعة التعاقدية.
فالزراعة التعاقدية يمكن أن توفر للمزارع قدراً أكبر من اليقين بشأن السوق، بدلاً من أن ينتج ثم يبدأ رحلة البحث عن مشترٍ بعد الحصاد.
وعندما يرتبط المزارع مسبقاً بمصنع يحتاج إلى كميات ومواصفات محددة، تتغير طبيعة العملية الزراعية نفسها؛ إذ يصبح المصنع جزءاً من منظومة الإنتاج، وليس مجرد مشترٍ يأتي في نهاية الموسم.
وهذا من شأنه تشجيع المزارعين على زيادة الإنتاج وتحسين الجودة والالتزام بالمواصفات، بشرط أن تكون العقود عادلة وشفافة، وأن تضمن سعراً محفزاً وآليات دفع واضحة.
التصنيع الزراعي.. جسر بين الزراعة والصناعة
السودان يمتلك واحدة من أهم مقومات التصنيع الغذائي: مساحات زراعية واسعة وتنوع مناخي ومائي ومحاصيل متعددة.
لكن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع اقتصاداً قوياً.
القوة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما تتحول الموارد إلى صناعة وسلاسل قيمة ومنتجات تحمل علامات تجارية قادرة على المنافسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن لمجمع القمة أن يمثل نموذجاً قابلاً للتوسع إذا نجحت التجربة في ربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع والتصدير.
فالهدف النهائي ليس إنشاء مصنع أو خمسة مصانع، وإنما بناء منظومة صناعية زراعية يمكن أن تتكرر في مناطق الإنتاج المختلفة.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد السوداني؟
إذا نجحت التجربة وتوسعت، فإن انعكاساتها المحتملة يمكن أن تظهر في عدة مسارات:
أولاً: زيادة الصادرات الصناعية.
تحويل المنتجات الزراعية من خامات إلى منتجات مصنعة يرفع القيمة التصديرية للمنتج الواحد.
ثانياً: تقليل الفاقد الزراعي.
العديد من المنتجات الزراعية تتعرض للتلف بسبب ضعف التخزين والنقل والتسويق. التصنيع يوفر منفذاً لاستيعاب جزء من فائض الإنتاج.
ثالثاً: خلق فرص عمل.
المصنع لا يوفر وظائف مباشرة فقط، وإنما يحرك قطاعات النقل والتعبئة والتغليف والصيانة والخدمات اللوجستية والتسويق.
رابعاً: إحلال الواردات.
إنتاج الصلصة والكاتشب والعصائر والنشا والجلكوز وغيرها محلياً يمكن أن يقلل الحاجة إلى استيراد بعض المنتجات الغذائية والصناعية.
خامساً: تنشيط القطاع الزراعي.
وجود سوق صناعي مستقر يمكن أن يمنح المزارع حافزاً لزيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية.
سادساً: توسيع قاعدة الاقتصاد.
كلما زادت حصة المنتجات المصنعة في الصادرات، قل اعتماد الاقتصاد على عدد محدود من السلع الأولية.
لكن النجاح لا يقاس بعدد المصانع
ورغم أهمية الخطوة، فإن الاحتفال بالتدشين يجب ألا يكون نهاية القصة، بل بداية الاختبار الحقيقي.
فالمصنع الناجح يحتاج إلى استمرارية في الإنتاج، وتمويل، وكهرباء مستقرة، ومدخلات إنتاج، ومواد تعبئة، وطرق ونقل، وسلاسل تبريد وتخزين، وموانئ فعالة، ومواصفات وجودة، وأسواق خارجية.
كما أن التوسع في التصنيع الغذائي يتطلب بناء منظومة متكاملة للبحث والتطوير، حتى لا يظل السودان مجرد مصنع لمنتجات تقليدية، بل ينتقل إلى إنتاج سلع ذات مواصفات وعلامات تجارية وقيمة تنافسية عالية.
والأهم من ذلك أن تكون هناك شفافية في قياس نتائج المشروع: حجم الإنتاج، نسبة التشغيل، عدد فرص العمل، حجم الصادرات، قيمة النقد الأجنبي، ونسبة المكون المحلي في الإنتاج.
شندي.. من مدينة إنتاج إلى مركز صناعي؟
اختيار شندي يحمل بدوره دلالة اقتصادية مهمة.
فالمدن والمناطق الزراعية لا ينبغي أن تظل مجرد مناطق لإنتاج المحاصيل ثم نقلها إلى موانئ التصدير. المستقبل الاقتصادي يفرض إنشاء مراكز تصنيع قريبة من مناطق الإنتاج.
وإذا ارتبط مجمع القمة بالمزارعين والمشروعات الزراعية في المنطقة، فإنه يمكن أن يسهم في تحويل شندي تدريجياً إلى مركز للتصنيع الزراعي والخدمات المرتبطة به، بما يخلق نشاطاً اقتصادياً يتجاوز حدود المصنع نفسه.
الرسالة الأكبر: السودان لا يحتاج إلى إنتاج أكثر فقط.. بل إلى تصنيع أكثر
السؤال الحقيقي أمام الاقتصاد السوداني اليوم ليس: هل نملك الموارد؟
الإجابة معروفة.
السؤال هو: ماذا نفعل بهذه الموارد قبل أن تغادر البلاد؟
إذا خرج القطن خاماً، والسمسم خاماً، والصمغ العربي خاماً، والحيوانات حية، والخضروات والفاكهة في صورتها الأولية، فإن السودان يتنازل عن جزء كبير من القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تبقى داخله.
أما إذا تحولت هذه الموارد إلى زيوت، وأغذية مصنعة، ومنتجات دوائية وتجميلية، ومركزات، ومنتجات حيوانية مصنعة، ومنتجات زراعية ذات مواصفات عالمية، فإن المعادلة الاقتصادية تتغير.
ما بعد الحرب.. التصنيع قد يكون أحد مفاتيح التعافي
في مرحلة ما بعد الحرب، سيكون السودان أمام مهمة ضخمة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية واستعادة النشاط الإنتاجي.
وفي هذه المرحلة لن يكون المطلوب مجرد إعادة تشغيل الاقتصاد القديم، وإنما إعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقيمة مضافة وقدرة على التصدير.
ومن هنا يمكن لمشروعات التصنيع الزراعي أن تصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة الإعمار، لأنها تربط بين ثلاثة قطاعات حيوية: الزراعة والصناعة والتصدير
لكن ذلك يتطلب سياسة صناعية واضحة، وحوافز للاستثمار، وتمويلاً ميسراً، وتحديثاً للبنية التحتية، وتسهيل حركة الصادرات، وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق.
من «تصدير المحصول» إلى «تصدير المنتج»
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم من تجربة مجمع القمة.
السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره في الأسواق الإقليمية والدولية.
فبدلاً من أن يكون بلداً غنياً بالموارد لكنه يبيعها في صورتها الأولية، يمكن أن يتحول تدريجياً إلى منتج ومصنع ومصدر للغذاء.
وعندها تصبح عبارة «وداعاً لتصدير الخام» أكثر من شعار احتفالي؛ تصبح عنواناً لسياسة اقتصادية جديدة.
لكن نجاح هذه السياسة لن تقرره لحظة افتتاح المصنع، وإنما قدرة السودان على تشغيل المصانع بكامل طاقتها، وضمان استمرارية الإنتاج، وتحقيق الجودة، والوصول إلى الأسواق العالمية، وتحويل عائدات التصنيع إلى استثمارات جديدة.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى مصانع جديدة، بل يحتاج إلى ثقافة اقتصادية جديدة: أن تكون القيمة المضافة داخل البلاد قبل أن تعبر المنتجات الحدود.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لمجمع القمة.. هل سيكون مشروعاً صناعياً ناجحاً فحسب، أم نواة لنموذج سوداني جديد يربط المزارع بالمصنع بالميناء والسوق العالمي

