أهو كلام والسلام
طريق صادر اللحوم
فؤاد قبانى
في عام 1976 كانت بداية تنفيذ مشروع مؤسسة الماشية واللحوم بقرض من البنك الدولي بحوالي 120 مليون دولار، وكان الهدف تعزيز صادرات اللحوم. تم حفر 80 بئراً جوفية، وهي تشكل 80 نقطة مكتملة الخدمات تغطي المسافة بين نيالا في دارفور ووسط السودان (الخرطوم) مروراً بكردفان والنيل الأبيض. وكانت المسافة بين النقطة (أو البئر) والأخرى 25 كيلومتراً، وهي المسافة الآمنة التي تقطعها الماشية سيراً على الأقدام دون نصب أو تعب.
لعبت الشركة دوراً مهماً في تنظيم تجارة الماشية وصادرات اللحوم، واستجلبت قاطرات للنقل، وأنشأت المحاجر البيطرية ونقاط التطعيم وتوفير الأدوية البيطرية. ولكن كانت هناك بعض النواقص، فانبرى لها الأستاذ سيد زكي والشيخ المك بعمل دراسة نتج عنها إنشاء شركة طريق الماشية التي سدّت النقص تماماً، وحقق التناغم المطلوب: مياه، وعلف، ومحاجر بيطرية، ونقاط علاج وتطعيم وأدوية. بل تعدى ذلك إلى الرعاة وأصحاب الماشية من خلال التدريب والتأهيل، كما تم تدريب البيطريين محلياً وخارجياً في إنجلترا وإسكتلندا على إدارة الأسواق، فازدهرت الشركة وتجارة الماشية في السودان.
لكن كعهدنا في السودان، كل دور إذا ما تم ينقلب. ففي عهد وزارة السيد حمدي وزير المالية الأسبق تم توزيع بعض الأصول لجهات متعددة، غير أن ما تبقى من الأصول جُعل نواةً شاركت بها وزارة المالية في تأسيس بنك الثروة الحيوانية.
في جفاف عام 1984 ساهمت الشركة في إنقاذ الماشية بتوفير الماء والأعلاف الجافة للبعض، ونقلت كميات كبيرة إلى مناطق نيلية آمنة. كل هذا أصبح تاريخاً للشركة وللبنك بحلوه ومره، وبعد أكثر من أربعة عقود من الزمان فإننا ننظر إلى الأمام وإلى المستقبل العريض الذي ينتظر الشركة والبنك في عهد الأمل الحالي.
استبشرنا بوقوف السيد الوزير على موقف البنك وتوابعه من شركات ومؤسسات. وفي رأيي فإن طريق الماشية وإعادة تأهيله يساهم في تنمية كل المناطق التي يمر بها ويعزز استقرارها.
هذه المجموعة الممتازة المنتقاة من السادة الوزراء، كل بارع في مجاله، سيكون بينهم سباق في الإنجاز. غير أنه لا بد من وضع استراتيجيات واضحة والتنسيق بين الوزارات بما يفضي إلى التكامل في العمل، وهو ما تحتاجه وزارة من أخرى. فمثلاً نحتاج إلى حصاد المياه لإنتاج الأعلاف وتوطين الرحّل، والأمر يحتاج إلى التنسيق الأولي الصغير بين وزارات: الثروة الحيوانية، الزراعة، الري، الصناعة، التجارة، والمالية، وعلى المستوى الأكبر بين الوزارات الأخرى وحكومات الولايات.
نحن أمة سبقت نظيراتها في كثير من الأمور؛ بدأنا بتعليب اللحوم في كوستي، وتجفيف الألبان في بابنوسة، والنسيج السوداني في الحصاحيصا، ومصنع الإطارات في بورتسودان، وباتا وساتا ولاركو، وصناعة الزيوت في السودان، وحلويات ريا وكريكاب، وهلم جرا… ولكن ظل الفشل وخروجنا من الأسواق حليفنا.
إذن هناك شيء ما خطأ فينا، أو في ما ننتج، أو في طريقة تسويقنا. وهذا يدل على غياب الرؤية الاستراتيجية للتنمية المستدامة، وعدم مواكبة أجهزة الدولة ـ من ضرائب وجمارك ومحليات ـ للتحول من عقلية الجباية إلى عقلية الدعم والمؤازرة.
هذه مرحلة جديدة من تاريخ السودان، فعلينا أن نعيش فيها بالأمل الأخضر، وأن نخلص النية ونصدق في القول والعمل. فاستوووا يرحمكم الله.

