في الذكري الرابعة لوفاته
عثمان بليل الإداري الملهم
بقلم محمد احمد الطيب الدبيش
عثمان بليل رجل حفر أسمه في ذاكرة الوطن بالكدّ والعمل المخلص، وترك سيرة عطرة تفوح في الحقول وبين السواقي، هو الإداري والملهم المرحوم عثمان محمد بليل، المدير الأسبق لمؤسسة الرهد الزراعية، الذي أهدى حياته لمشروع النهضة الزراعية والتنمية الريفية المستدامة.
ينحدر العم بليل من تنقسي الجزيرة، تلك اللؤلؤة المتلألئة في خاصرة النيل بالولاية الشمالية، جزيرة تحتضن التاريخ والعلم، وتشمخ بين دنقلا العجوز ومنطقة الغابة، فأنجبت للوطن خيرة الأبناء الذين نقشوا أسماؤهم في دفاتر الخلود. ومن هذا الجذر النبيل تفرّعت أغصان العطاء.
كان والده، الحاج محمد أحمدون بليل، أحد أعمدة محالج مارنجان، يحتل أرفع منصب ناله سوداني حينها، فمدّ جسور الاستقرار لأبناء تنقسي في قلب الجزيرة، ليشيّدوا بها حضوراً ووطناً مصغّراً. أما إخوته، فلكلٍّ منهم مسيرة زاخرة، فاللواء شرطة بابكر بليل نقش أعظم دروس الإيثار حين تبرع بإحدى كليتيه لأخيه البروفيسور عمر بليل، مؤسس أول مركز لزراعة الكلى بالسودان، ومن أجرى أول عملية ناجحة لشخص سعودي، ومؤسس مستشفى سوبا الجامعي.
سلك العم عثمان درب النور، مزوّداً بالعلم من جامعة الخرطوم، ثم من جامعة كاليفورنيا، وكان من الجيل الذي آمن بأن الزراعة هي مفتاح النهضة، فانطلق يجوب الوطن من سنجة إلى الجزيرة، ومن حلفا إلى كنانة والجنيد، مارّاً بمشاريع الزراعة المطرية في الشرق والغرب وجبال النوبة، يزرع الأمل حيثما حل، ويوقظ الأرض من سباتها.
ولما استقرت به الخطى في مشروع الرهد الزراعي، تقلّد أولاً منصب المدير الزراعي، فكان المخطط والمدبر لنهضة المشروع من جذوره، ثم ما لبث أن تقلّد منصب مدير المشروع في عام 1979م وحتى 1986م، فحمل الأمانة بكل اقتدار، وشهدت فترة إدارته ازدهاراً غير مسبوق، حيث ارتفعت الإنتاجية إلى أعلى معدلاتها، وأصبح المشروع قبلة للزوار، ومحجاً للباحثين والدارسين.
لم يكن مديراً تقليدياً، بل كان صاحب رؤية كلية، نظر للريف بعين التنمية لا الزراعة وحدها، فاهتم بالخدمات الأساسية من إسكان ومياه وطرق وصحة وتعليم، مؤمناً بأن الأرض لا تنبت دون كرامة الإنسان.
وقد شهدت سنواته الذهبية تصادماً شهيراً مع نقابة الزراعيين التي كان يتزعمها الإخوة صلاح عطا المنان، محمد عثمان السباعي، إسماعيل الأمين صبير، محمد إبراهيم عبيدالله ومحمود من أهلنا الحلفاويين. لكنه بحكمة القائد، حوّل الخلاف إلى توافق، وفضّ النزاع بتسوية منحتهم حواشات بالقسم الأوسط، فأصبحوا من كبار المزارعين، واستقروا في قرية 27، التي احتضنتهم بكل ود ومحبة. وفيهم من أصبح رئيسا لاتحاد المزارعين كالأخ صبير ومنهم من تقلد رئاسة إتحاد المزارعين وادارة مؤسسة الرهد الزراعية الأخ السباعي .
تعرض في إحدى رحلاته إلى حادث سير مروع كاد أن يودي بحياته، وأصيب بكسر في إحدى ساقيه، لكنه لم يستسلم للألم، بل واصل المسير بكل شجاعة، ليضرب مثلاً في التضحية والمسؤولية.
تقديراً لجهوده الجليلة، نال الوسام الذهبي للإنتاج في عهد الرئيس جعفر نميري، وهو تكريم مستحق لرجل أفنى عمره في خدمة الزراعة، ونهضة الريف، ورفعة الوطن.
لقد كان عثمان محمد بليل إدارياً من طرازٍ نادر، ومربياً وملهماً للأجيال، جمع بين العلم والحكمة، وبين الحزم والرحمة، وبين الإدارة والرؤية.
سيرته مدرسة، ومسيرته مشعل، وما أحوج الشباب اليوم لأن ينهلوا من تجربته، ويسيروا على خطاه.
رحم الله العم عثمان بليل، بقدر ما خدم وبقدر ما زرع، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وكتب له أجر من أحيا الأرض وأكرم الإنسان

