هاينان… تجربة الصين الاقتصادية الجديدة هل تُصبح هونغ كونغ القادمة؟
أسامة مختار
لم تكن هاينان بالنسبة لي سوى مجرد جزيرة استوائية جميلة، لكنَّها أصبحت فجأة جزءاً من حياتي اليومية حين قُبل ابني وابنتي لدراسة اللغة الصينية هناك. وجودهما في الجزيرة منحَنِي فرصة مختلفة للنظر إلى هذا المكان البعيد، الذي لا يبني اقتصاداً فقط، بل يصنع مجتمعاً جديداً يتعلم فيه جيل شاب ضمن بيئة مبتكرة، ويستعد ليكون عضواً فاعلاً في اقتصاد صيني مختلف خلال السنوات القادمة .
في البداية تساءلت بدهشة: لماذا تُوفد الجامعات الصينية طلابها إلى جزيرة تقع في أقصى الجنوب، بعيدة عن بكينوشنغهاي ،أو مدينة الجامعات -إذا صح وَصفِي – مدينة (ووهان ) الشهيرة إذ إنّها تضم 82 مؤسسة تعليمية ؟ ولماذا اختيرت جامعتهم تحديداً لتكون مقرها في هاينان؟ لكنني، كلما تابعت الأخبار اليومية والتقارير الاقتصادية والتحليلات المتخصصة، أدركت أن الأمر أبعد بكثير من مجرد صدفة أو توزيع عابر للطلاب. لقد وجدتُ نفسي أمام مشروع صيني ضخم، طموح، وواسع الأفق، يختلف عن أي مدينة صينية أخرى .
هاينان ليست فقط جزيرة دافئة بأشجار النخيل وشواطئ المياه الزرقاء، بل هي مدينة حديثة في طور التكوين، تقف عند تقاطع الانفتاح الاقتصادي وروح المغامرة. تريد الصين لها أن تكون (هونغ كونغ الجديدة)، ولكن هذه المرة بطموح أكبر ونَفَس مختلف؛ تتخذه بوابةً للتواصل الحر مع العالم.
كانت الجزيرة لعقود مُجرد وجهة سياحية، لكن منذ عام 2018 بدأت الصين رسميا، بتوجيه من الرئيس الصيني شي جين بينغ، في تحولها إلى أكبر منطقة تجارة حرة في البلاد، بامتيازات جمركية وضريبية تفوق كلَّ المناطق الحرة السابقة، ثم صدر في عام 2021 قانون خاص يمنحُها نظاماً ضريبياً وجمركياً متميزاً، ضمن استراتيجية تجمع بين الصناعات المستقبلية والتكنولوجيا والانفتاح على الاستثمار العالمي. هي أصغر مقاطعات الصين مساحة، لكنَّها أكبر جزرها، وتملك مساحات واسعة قابلة للنمو على خلاف هونغ كونغ المكتظة. وهكذا، لا تنطلق هاينان من إرثٍ استعماري أو إطارٍ سياسي خاص مثل مبدأ (بلد واحد ونظامان)، بل من رؤية صينية خالصة لبناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على التخطيط الذكي والتكنولوجيا الحديثة.
وهنا أعود إلى قصتي الشخصية ، حين التحقتْ ابنتي وابني ببرنامج دراسي لتعلم اللغة الصينية في هاينان، اكتشفت أن الجزيرة تحولتْ إلى نقطة جذب للطلاب الدوليين من آسيا وأفريقيا والعالم العربي، بفضل بيئة دراسية منفتحة، وحياة مريحة تناسب القادمين من المناطق الحارة، ونظام جامعي حديث يشجع الاندماج. ليس غريباً أن تجد في قاعات جامعاتها طلاباً من طاجيكستان وتركمانستان وماليزيا وسيرلانكا وباكستان وزامبيا ومدغشقر وتركيا وروسيا والسودان و جنوب السودان ، ومصر، وكينيا وغيرها، يتبادلون اللغات والثقافات ويروون قصصهم مع الصين.
ولأن الاقتصاد والسياحة يسيران جنبا إلى جنب، فقد أدركتِ الصين أن من يأتي سائحاً اليوم قد يعود غداً مستثمراً أو طالباً أو مقيماً دائماً. الشواطئ الممتدة والمنتجعات العالمية وتجارب الغوص تجعل الجزيرة تبدو كنسخة صينية من المالديف، لكنَّها في الواقع مشروع اقتصادي كامل يهدف لصناعة مستقبل مالي وتجاري جديد ويستقطب الشركات العالمية، ويُراهن على اقتصاد المعرفة والخدمات.
إذا اكتملت الخطة، فقد تصبح هاينان خلال عشر سنوات مركزاً تجارياً حراً ينافس هونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا، وواحدة من أهم بوابات الصين نحو العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل ستنجح في أن تكون حقاً (هونغ كونغ القادمة)؟ الجواب ليس سهلاً، ولكن ما أراه يتحرك على الأرض يجعلني أؤمن بأن الصين لا تراهن عبثاً، وأن هذه الجزيرة الصغيرة قد تكون مفتاح مرحلة جديدة من اقتصادها العالمي.
لن تصبح هاينان نسخة من هونغ كونغ بالمعنى التقليدي، لكنَّها قد تكون (هونغ كونغ الجديدة بطابع صيني كامل). وربما، بعد سنوات، سيقول أبنائي بفخر: لقد كُنَّا هناك في البداية… قبل أن تُصبح هاينان مركزَ العالم القادم.
أسامة مختار
خبير بمجموعة الصين للإعلام


